عدالة بديلة زمن الحرب … كيف تحولت الوساطة إلى خط الدفاع الأخير عن الحق في السكن بغزة
أماني شحادة:
لم تكن المواطنة “أ. ي” تتوقع أن تنتهي مكالمة هاتفية قصيرة إلى فقدان آخر ما تبقى لعائلتها من شعور بالأمان. جاءها صوت مالك المنزل حادًا وحاسمًا: “إذا لم تغادروا، سأرميكم في الشارع”.
لم يكن التهديد مجازيًا؛ فبعد سبع سنوات قضتها الأسرة داخل المنزل المستأجر في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، وجدت نفسها مطالبة بالمغادرة، ليس لأن الحرب دمّرت المنزل، بل لأن عجزها عن سداد الإيجار في خضم الكارثة الإنسانية جعلها هدفًا لسوق سكن فقد ضوابطه الإنسانية والقانونية.
مع تدمير مساحات شاسعة من الكتلة العمرانية وتكدس أكثر من 1.9 مليون نازح في جيوب جغرافية ضيقة وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، برزت أزمة إخلاء المستأجرين قسراً كوجه آخر للحرب، لكن الكارثة الحقيقية لا تكمن فقط في ندرة المساكن، بل في الشلل التام الذي أصاب المنظومة القضائية الرسمية، وفي ظل تعطل المحاكم، تحول الحق في السكن من حماية يكفلها ويحميها القانون إلى مساحة نزاع يومية حادة، مما دفع بالمجتمع نحو البحث عن آليات بديلة ومؤقتة لإدارة هذه الأزمات، كالوساطة القانونية والتحكيم.
تقول “أ. ي”: “كنا نظن أن الظروف التي نعيشها ستجعل الجميع أكثر تفهمًا، وأن أحدًا لن يطالب عائلة بالنزول إلى الشارع في هذا الوقت”. ذلك الاعتقاد لم يصمد طويلًا، فبعد أسابيع من المطالبات المتكررة، حاول أفراد من العائلة ووجهاء في المنطقة التوسط لإقناع المؤجر بمنحهم مزيدًا من الوقت، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل. تضيف بمرارة: “لم يطلب منا الخروج فقط، بل أشعرنا أننا عبء يجب التخلص منه، وكأن الحرب التي سرقت منا كل شيء لم تكن كافية”.
لم يكن مغادرة المنزل نهاية الأزمة، بل بدايتها، فمع كل باب طرقته الأسرة بحثًا عن مأوى جديد، كانت تصطدم بإيجارات تفوق قدرتها على الاحتمال، أو بمنازل تعرضت لأضرار جسيمة جراء القصف، ورغم ذلك يطالب أصحابها بمئات الدولارات شهريًا. تصف “أ. ي” تلك المفاوضات الشاقة قائلة: “دخلت شققًا بلا أبواب، وأخرى بلا حمام أو مطبخ، وبعضها لم يكن يصلح لأن تعيش فيه أسرة ليوم واحد، ومع ذلك كانت أسعارها بين 400 و500 دولار”.
أمام هذا الاستعصاء المادي وفشل وسيط العرف في إلزام المالك ببديل إنساني، تشظت الأسرة، حيث أقامت “أ. ي” مع بناتها في مكان، بينما اضطر زوجها ووالداه إلى الإقامة في مكان آخر.
لم يكن الانفصال خيارًا، بل نتيجة مباشرة لأزمة سكن حوّلت الحفاظ على وحدة الأسرة إلى رفاهية لا يستطيع كثير من الغزيين تحملها. وتختم بصوت يخالطه الإرهاق: “لم نخسر بيتًا فقط، خسرنا شعورنا بأننا عائلة تعيش تحت سقف واحد”..
انهيار العدالة الرسمية.. وبروز دور الآليات البديلة لحل النزاعات
في هذه البيئة الهشة، لم يعد النزاع بين المالك والمستأجر مجرد خلاف مالي، بل تحول إلى صراع مرير على البقاء. وتكشف شهادة المواطنة “د. أ” من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، عن هذا التحول البنيوي اللافت في إدارة النزاعات المدنية داخل القطاع؛ حيث تحولت العدالة من نصوص قانونية ملزمة إلى عملية تفاوض مجتمعي شاقة لإنقاذ العائلات من الطرد إلى العراء.
تقول “د. أ”: “لم نرفض الدفع، كنا نطلب مهلة فقط لتأمين قوت يومنا ودواء شقيقي الذي يعاني من مرض مزمن ويحتاج لمتابعة مستمرة، لكن المفاوضات مع المالك انتهت إلى طريق مسدود وخلاف حاد”.
أمام غياب المحاكم النظامية، لم تجد الأسرة بدًا من اللجوء إلى “لجان الإصلاح العشائرية” (وهي منظومة عرفية محلية تُستخدم كحل بديل لحل النزاعات مجتمعيًا عند انهيار الأجهزة الرسمية). نجحت اللجنة بعد وساطة شاقة في التوصل إلى اتفاق يمنح العائلة مهلة شهرين قبل المغادرة.
ورغم أن الاتفاق نجح في احتواء النزاع وتجنب مزيد من التوتر، إلا أنه كان حلاً انتقالياً فرضته الظروف أكثر من كونه معالجة نهائية للمشكلة. وتقول “د. أ”: “خرجنا من الاتفاق ونحن ممتنون لأنه منحنا مهلة، لكنني كنت أفكر كل يوم: ماذا بعد انتهاء الشهرين في ظل هذا الغلاء الفاحش؟”.
الفراغ القانوني واقتصاد الحرب
وراء هذا الانهيار الإجرائي، يبرز الفراغ التشريعي المزمن كأحد أبرز جذور الأزمة، وفي تفسيره القانوني لهذا الواقع، يقول المحامي والباحث الحقوقي محمود الشرقاوي: “إن الأزمات الإيجارية المتفجرة في غزة تعود أساساً إلى غياب حكم القانون وتعطل أجهزة العدالة الرسمية الناتجة عن تداعيات الانقسام السياسي منذ عام 2007، والذي تعمق بشكل كارثي خلال الحرب الحالية”.
ويضيف الشرقاوي: “إن قانون الإيجارات الفلسطيني رقم (5) لسنة 2013 لا يوفر في أصله التوازن الكافي، كما أن نصوصه المتعلقة بظروف ‘القوة القاهرة’ -والتي من المفترض قانوناً أن تعفي المستأجر من دفع الأجرة إذا تعذر عليه الانتفاع بالعقار كاملاً- لا تجد اليوم أدوات تنفيذية لتطبيقها، ما يشجع على استغلال المستأجرين في ظل غياب الرقابة الحكومية”.
ويوصي الشرقاوي بضرورة “تأسيس لجان قضائية تحكيمية مؤقتة ومستقلة تحمي حقوق المستأجرين والنازحين في أوقات الأزمات الكبرى”.
هذا الغياب التام لأدوات التنفيذ الرسمية حوّل العقارات المتبقية إلى أدوات استغلال استجابةً لـ”اقتصاد الحرب”، وهو ما واجهه الشاب “ح. ش” (27 عامًا) من مدينة غزة، عندما حاول العودة إلى مكتب شركته الناشئة في حي تل الهوى.
يقول “ح. ش” بإحباط: “الحرب دمّرت مكتبي ماديًا، وجشع الأسعار قضى على أي فرصة للبدء من جديد. شعرت أنني أُسحق مرتين”، وذلك بعد أن طالب المالك برفع الإيجار من 2400 دولار إلى 5000 دولار كشرط تعجيزي للاستمرار.
ويستطرد شارحًا: “لم يطلب مني المالك زيادة الإيجار فقط، بل طالبني أيضًا بدفع قيمة الأشهر التي كنت خلالها نازحًا، والمساهمة في إصلاح الأضرار التي لحقت بالمبنى، رغم أنني أنا أيضًا متضرر من الحرب.”
حدود الوساطة
رغم أن الوساطة القانونية والمبادرات المجتمعية باتت الأداة الوحيدة لمنع الصدامات الأهلية وتأمين مهل مؤقتة للعائلات، إلا أن الممارسين لها يدركون حدودها البنيوية التي تجعل منها بديلاً مؤقتاً زمن تعطل القضاء الرسمي ومسانده له في وجوده.
ويقول المحامي والوسيط القانوني محمود عفانة إن النزاعات الإيجارية أصبحت من أكثر القضايا حضورًا خلال الحرب وما بعدها، مضيفًا: “المستأجر هو الطرف الأضعف، والمؤجر يستغل غياب القانون لفرض شروط مجحفة.”
ويشير إلى أن الوساطة أصبحت ضرورة في الظروف الحالية، إذ توفر بيئة آمنة للحوار، وتسهم في تقليل التصعيد من خلال توثيق الاتفاقات بشكل مكتوب، داعيًا إلى دعم المبادرات المجتمعية والدولية التي تساند المتضررين، على غرار ما قامت به وكالة “أونروا” في دفع بدلات إيجار خلال سنوات العدوان الماضية.
عدالة معلقة تحت سقف منهار
تؤكد بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني “تضرر ودُمر ما يزيد عن 192,812 مبنى ووحدة سكنية بفعل الحرب”، مما يعني أن ملايين النازحين يواجهون شريعة الغاب الاقتصادية بلا مظلة قانونية تضمن حقهم الإنساني في مأوى آمن وكريم.
إن الاعتماد على الوساطة القانونية والحلول العشائرية المؤقتة، رغم أهميته في منع الجريمة واحتواء النزاعات اللحظية، يبقى مسكناً موقتاً لأزمة بنيوية عميقة، ففي غزة، لا تقتصر الحرب على تدمير الجدران بالصواريخ، بل تمتد لتدمير الجسد القانوني والمؤسساتي، ليبرز السؤال الحقوقي الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن صون أصل الحق الإنساني في السكن عندما تصبح العدالة مجرد “عملية تفاوض واضطرار” يتلقى فيها الطرف الأضعف أنصاف الحلول ليبقى على قيد المأوى؟






