نجت لكنها مصابة هكذا استشهد زوج رجاء وطفليها تحت جنازير دبابة

نجت لكنها مصابة

هكذا استشهد زوج رجاء وطفليها تحت جنازير دبابة

خانيونس- هبة الشريف:

“شفت الموت، لا يمكنني نسيان مشهد موت أبنائي وزوجي تحت جنازير دبابة، داست أجسادهم حتى لفظوا أنفاسهم أمام عيني، وبقيت أنا وطفلتي مصابات، مشهد لن يُمحى من ذاكرتي أبدًا”.

بصوتٍ متهدّج بدأت رجاء حمدونة (36 عامًا) تروي كيف فقدت زوجها أكرم الهربيطي (40 عامًا) وطفليها محمد (15 عامًا) وأحمد (12 عامًا)، حين داهمت دبابات الاحتلال الإسرائيلي خيمتهم بمنطقة القرية السويدية غرب مدينة رفح وداست عائلة رجاء أحياءً.

انخرطت الشابة في بكاءٍ عميق، ومسحت دموعها وهي تتحسس إصابة صعبة في رجلها وتكمل: “أتمنى أن أجد جثمان زوجي وأطفالي الثلاثة لأكرمهم على الأقل بدفنهم، بعدما قتلهم الاحتلال بهذه الطريقة البشعة”.

في تفاصيل حكاية رجاء، فقد كانت تسكن مع زوجها وأطفالها الأربعة في شقةٍ بحي النصر غرب مدينة غزة، وحين اندلعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023م، وأجبر الاحتلال سكّان شمال القطاع على النزوح إلى الجنوب فضلت رجاء وعائلتها البقاء، لكنها نزحت من مكانٍ لآخر بسبب القصف الإسرائيلي.

ويوم 18 نوفمبر 2023م، كانت ليلة شديدة القسوة، فقط تناثرت شظايا القصف حولهم حتى ظنوا أنها لحظاتهم الأخيرة، وفوجئوا بإلقاء الاحتلال منشورات تطالبهم بالإخلاء، وبالفعل نزحوا صوب مدرسة في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، وفي الصباح نزحوا إلى جنوب القطاع قسرًا.

توضح: “لم يغمض لنا جفن، لم نكن نملك مالًا ولا طعام أو شراب، طلبت من إحدى النساء شربة ماء لطفلتي، بعدها نزحنا عبر شارع صلاح الدين سيرًا على الأقدام ونحن نحمل الرايات البيضاء”.

تستعيد رجاء لحظات الرعب أثناء مرورها عبر (بوابة الموت)، شيء يشبه يوم الحشر كما تصفه “تعثرت بجثة شهيد، أكملت السير رغم صعوبة الأمر، سرنا أربع ساعات حتى دوار النصيرات”، تقول رجاء، ثم اتجهت العائلة صوب مقر جامعة الأقصى في خانيونس، فوجئوا بوجود معسكر لجيش الاحتلال، وبدأت الدبابات تصدر أصواتًا وتحركات ترعب الجميع خاصة الأطفال.

استقرت العائلة في القرية السويدية، قرب شاطئ مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بعد نزوح لـ 11 مرة، من مكانٍ لآخر، وهنا كانت بداية المأساة التي حفرت جرحًا عيقًا في قلب رجاء!

تجهش بالبكاء وهي تكمل: ” ليلة 6 يونيو 2024م اشتد القصف، تقدّمت الدبابات الإسرائيلية، وأصبحت الاستهدافات عشوائية، انبطحنا على الأرض رغم أن زوجي زرع عمودًا مرتفعًا علّق عليه راية بيضاء ليعرفوا إننا مدنيين”.

كانت رجاء تعدّ الخبز لأطفالها، لكنهم ناموا جياعًا وعطشى وخائفين خشية اضطرارهم للذهاب إلى دورة المياه خارج الخيمة، وفي الساعة 5:30 صباحًا خرجت جارتها ومعها طفلها وخلال لحظات أطلقت الدبابة قذائف دون توقف تجاههم واستشهدا فورًا.

تسند نفسها إلى جدار الخيمة التي تقيم فيها حاليًا في خانيونس، وهي تشير إلى ساقها المصابة قائلة: “تصاوبنا كلنا أنا وزوجي وأبنائي الأربعة، اختفى صوت أولادي، رأيت طفلي محمد على الأرض ورأسه مشقوقًا نصفين، وزوجي فقدَ يده وبدأ ينطق الشهادتين”.

صرخت طفلتها سناء (3 سنوات) من شدّة الوجع لكن رجاء كتمت أنفاسها، وأسرع طفلها إبراهيم (6 أعوام) باتجاه أمه فأجبرته على التمثيل أنه ميت خشية عودة الدبابات نحوهم، انبطحت على الأرض دون حركة لقرب الدبابة من خيمتهم، حاولت الزحف صوب باب الخيمة الخلفي لطلب النجدة، لكن الدبابة كانت أسرع، وهنا عاشت رجاء أقسى مشهد في حياتها.

“داست الدبابة جسد زوجي وأطفالي أحمد ومحمد أمام عيني، وماتوا تحت جنازيرها، ثم داستني أنا وطفلتي سناء، ولكن دُفننا في الرمل الناعم وكان هذا سبب بقائنا على قيد الحياة لكن بعدما تعرضنا للإصابة”.

“شفت الموت بعيني، ما توقعت أعيش”، تقول رجاء وهي تحملق بعينها في المكان وتهز رأسها يمينًا ويسارًا، “زحفت حتى رأيت سيدة تحمل أولادها وتحاول الهرب، استنجدتها مرارًا وبعد عدة محاولات حاولت إسعاف طفلتي”.

بصوتٍ مخنوق وعيون دامعة تكمل: “ربطت قدمي المصابة وزحفت على الأسفلت فوق أكوام الحجارة والشظايا ولمسافة نحو 600 مترًا، بعدها أسعفني أشخاص ولم أصحو إلا بعدما أجريت عدة عمليات جراحية في رجلي اليمنى، بينما أصيبت طفلتي سناء بكسرٍ وخلع في الرجل اليسرى وتحتاج إلى علاج لفترة طويلة”.

ويتنافى ما تعرضت له رجاء وعائلتها مع اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص في مادتها (3) على حظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للأشخاص المحميين وخاصة القتل بجميع أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب.

تسعى رجاء للحصول على تحويلة طبية لعلاجها خارج قطاع غزة هي وطفلتها، وفي الوقت الذي تتجرع فيه مرّ الإصابة ما زالت تعيش حالة القلق على شقيقيها الذين اعتقلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي بعدما دمر منزل أهلها بالكامل.

“أعيش معتمدة على ما يقدمه المخيم من مساعدات ومياه مجانية ووجبة طعام واحدة يوميًا”، تقول رجاء التي لا تمتلك أي مصدر داخل، بينما يحذوها الأمل في كل لحظة أن تتمكن السفر لتتلقى هي وطفلتها العلاج المناسب.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى