تحت الإبادة.. نساء يصارعن من أجل البقاء
تحت الإبادة.. نساء يصارعن من أجل البقاء
النصيرات- سالي الغوطي :
“كنّا نعيش في سباقٍ مع الموت والجوع، لم أتوقّع أن أعمل يومًا على فرنِ طين لإعالة أسرتي، بعدما كنت مديرة لروضة أطفال”.
بهذه الكلمات بدأت فاتن أبو شاويش (أم لخمسة أطفال) حديثها، واصفة عملها في ظل ظروف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي اندلعت يوم 7 أكتوبر 2023م، عاشت السيدة عدّة جولات من النزوح هربًا من الموت، وتعيش حاليًا داخل خيمة مهترئة في النصيرات، بعدما دمّر الاحتلال منزلها في قرية المغراقة جنوب مدينة غزة.
تجلس فاتن أمام فرن الطين المصنوع يدويًا والذي أصبح رفيق نزوحها ومصدر دخلها، وبنبرة أسى تقول: “أسوأ الخيارات استبدال وظيفتي بمهنة لم أعتدها، خاصة أنها تعرّض حياتي للخطر بعد إصابتي بأمراض في الصدر بسبب دخان الفرن والمكوث أمامه لفترات طويلة”.
تتنهد وهي تكمل: “الحرب فرضت علينا خيارات أحلاها سيء، مطالب أطفالي لا تنتهي وغلاء المعيشة لا يرحم، افتقدنا أنواعًا من الطعام، وتكاليف النزوح مرتفعة كل هذا تسبب في اختياري لمهنة الخبّازة، بعد انقطاع الكهرباء وغاز الطهي”.
يمتلأ وجهها عرقًا، تحاول إخفاء مأساتها بضحكة مصطنعة، فهي الآن بلا بيت ولا وظيفة، تصحو يوميًا تعيد ترتيب خيمتها من مساحة للنوم إلى مساحة للجلوس، ثم الخروج للعمل على فرن الطين، وتسترق وقتًا قصيرًا لمتابعة دراسة صغارها على الصفحات الالكترونية.
فاتن، هي واحدة من النساء اللواتي فرضت عليهن ظروف الحرب اللجوء للعمل ليكونوا وحدهن معيلاتٍ لأسرهن، بعد أن فقدن السند لأسباب مختلفة، تمامًا كما حال الصحفية إسراء العرعير التي استشهد زوجها منذ بدايات الحرب، وبقيت وحدها تعيل نفسها وطفلتها.
“ليس من السهل أن تكوني أمًا وأبًا ونازحة وعاملة”، تقول إسراء وهي تحتضن طفلتها عبير (عامان).
بنبرة حزينة تواصل: “لم أتخيّل يومًا أن أكون وحدي معيلة لطفلتي، فقدت زوجي وبيتي ومعدّاتي الصحفية ووظيفتي، لكن طفلتي كانت دافعي الوحيد للعودة للعمل والبحث عن معدّات بسيطة تعتمد غالبًا على الجوال”.
أصعب موقف عايشته إسراء هو شعورها بتحمّل مسؤولية طفلة بلا أب، فأدركت أنه لا خيار أمامها سوى اصطحاب طفلتها معها للعمل، لتكون قريبة منها، فالعمل الصحافي معناه ألا نترك الميدان وكذلك لا نترك صغارنا.
لم يكن المردود الذي تتحصّل عليه إسراء كافٍ لسد احتياجات طفلتها، وفي بعض الأحيان لم تكن هناك مائدة طعام، لكنها لم تتوقف عن العمل، تعقّب: “العمل كان يتطلب مني أن أتواجد أحيانًا على خط النار، فأذهب بلا تردد، فلا عمل أجيده سوى العمل الصحفي”.
ووفقًا لتقرير لوزارة شؤون المرأة لعام 2024م، فإن الوضع الاقتصادي تدهور منذ بدء حرب الإبادة، ووصلت معدّلات البطالة بين النساء إلى نحو 95%
“نال النساء ما نالها من حرب الإبادة”، تقول بثينة صبح، مديرة جمعية وفاق لرعاية المرأة والطفل، وهي أيضًا لم تتوقف عن العمل، إيمانًا منها بواجب المؤسسات النسوية تجاه النساء.
بصوت متقطع تقول: “العمل الإنساني خلال الحرب أشبه بالجحيم الذي يطاردنا في العمل والنوم وحتى بعد توقّف آلة الحرب، جميع الموظفات بالجمعية كنّ يتركن خيامهن وأطفالهن في أماكن نزوحهن البعيدة بعد تدمير مقر الجمعية في رفح، ونزوحهن إلى وسط القطاع”.
فمشاعر المرأة رقيقة، ترى نفسها مسؤولة عن كل شيء في ظل النزوح وغياب المعيل، وتجد نفسها قوية قادرة على التحدّي حتى وإن كانت منهكة جسديًا، تقول صبح.
وتضيف: “قبل اجتياح رفح بأيام وصلت إلى مصر للعلاج، لكن الاحتلال أغلق المعبر وحرمني من التحاق أطفالي وزوجي بي، إلا أني لم أتوقّف عن العمل ولا عن مساندة أسرتي التي نزحت إلى خانيونس”.
قدمت صبح من خلال الجمعية نحو (170) منحة للمشاريع الصغيرة للنساء، تنوّعت بين أفران الطين، إعادة تدوير الملابس، صنع العصائر، وغيرها، من أجل إعادة دمج النساء المعيلات لأسرهن في سوق العمل.
وتؤكد صبح ضرورة إجماع المؤسسات على أجندة نسوية جديدة، من خلال البحث عن جذور المشكلات التي تزيد العنف ضد النساء، والعمل سويًا ليكون هناك تغيير جذري، وتقديم المساعدات للنساء كي لا يتم استغلالهن في سوق العمل بأجورٍ متدنية.
بدوره أكد الباحث في الشأن الاقتصادي رائد حلس، إن النساء كان لهن النصيب الأكبر من التغيرات الجذرية الاقتصادية، بفعل آلة الحرب الإسرائيلية التي أدت لتراجع النشاط الاقتصادي وتدمير البنية التحتية.
وأوضح أن فقدان المعيلين الذكور بالنزوح أو الاستشهاد أجبر النساء على الدخول في سوق العمل لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة لأسرهن، وقبولهن بمهن غير اعتيادية، كان بعضها حكرًا على الرجال، وبعضها شاقة أو غير آمنة.
ودعا حلس إلى ضرورة التعافي من تبعات الحرب عبر اعتماد القوانين الدولية لضمان بيئة عمل آمنة وعادلة للنساء، ومنع استغلالهن والتمييز في الأجور، وتوفير برامج دعم وتمويل لمشاريعهن، وفرض سياسات دعم للأسر التي تعولها نساء، فتمكين النساء اقتصاديًا عامل أساسي في استقرار المجتمع وتعافيه من آثار الحرب التدميرية.