النوبات القلبية وجه آخر للموت في قطاع غزة
النوبات القلبية وجه آخر للموت في قطاع غزة
خانيونس- هناء أبو قوطة:
“عاش حياته عزيزًا كريمًا موجهًا ومرشدًا، لكن كل ما حمله والدي من علمٍ لم يسعف قلبه من الموت قهرًا على ما وصل إليه حالنا خلال الحرب، وقلقه على بيتنا شقى عمره من الضياع”.
بهذه الكلمات، تحدثت الشابة لينا الطهراوي، وهي تصف ما جرى مع والدها يوسف الطهراوي (67 عامًا)، والذي توفي نتيجة إصابته بجلطة قلبية تسببت بها ظروف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي شنها الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023م، فالرجل الذي لم يعاني من أي مشاكل في القلب قبل الحرب؛ لم يتحمل قلبه حالة الهلع والتوتر التي عاشها خلال الحرب وخاصة الخوف على بيته.
تتابع لينا: “بنى والدي بيتًا في حي السلام شرق مدينة رفح، هو شقى عمره، منذ بداية الحرب وهو يدعو ألا يضطر لمغادرة منزله، لكن متابعته للأخبار باللغة العبرية التي يتقنها، جعلته يفهم دومًا ما هو قادم من مأساة، وعرف بقرب نزوحنا، لم يتحمل قلبه الرقيق ما سيجري، وأصيب بنوبة قلبية، لم تفلح جهود الأطباء في المستشفى بإنقاذه منها، توفى قهرًا على ما سيحدث”.
أُجبرت العائلة فعلًا على النزوح من بيتهم في مايو 2024م، صوب منزل أحد أقاربهم وسط قطاع غزة، وبعد مدة من اجتياح الاحتلال الإسرائيلي لرفح، وصلتهم صورًا عبر الأقمار الصناعية، تؤكد تدمير كل منطقتهم السكنية بما فيها منزلهم.
الطهراوي هو أحد المواطنين الفلسطينيين الذين عجزت قلوبهم عن تحمّل صدمات تسببت بها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي أجبر خلالها الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 2 مليون إنسان على النزوح من أماكن سكنهم، وتم تدمير معظمها لاحقًا، حيث تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن الاحتلال دمّر أكثر من 330 ألف وحدة سكنية، بينها 68918 تدميرًا كليًا.
أما الطبيب جهاد أبو جزر، فقد كانت له تجربة مشابهة، حين فوجئ ببيته الذي بناه بشقّ الأنفس في مدينة رفح، كومة من الركام، فأصيب بذبحة صدرية، نجا منها بصعوبة.
“صممت بيتي على الطراز الحديث، لم أبخل عليه بشيء ليكون حضنًا لعائلتي ولي، أقضي فيه وقتًا هادئًا بعد كل دوام يومي شاق في المستشفى والعيادة الخاصة بالأمراض الجلدية، زينته بالورود والأشجار، وعندما نزحت في مايو 2024م كنت آمل أن يظلّ صامدًا، لكنه تحوّل إلى كومة من الركام”، يقول د.جهاد.
منذ غادر الدكتور جهاد منزله في مايو 2024م، لم يعلم شيئًا عن منزله في حي الجنينة شرق مدينة رفح، حتى دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير 2025م، حينها عاد مسرعًا للاطمئنان على بيته، على أمل أين يجده بخير، لكن الرجل الذي لم يكن يعاني من أي مشاكل في قلبه لم يتحمل الصدمة حين رأى ما حلّ بمنزله.
يضيف د.أبو جزر :”حين رأيت ركام منزلي لم أتمالك نفسي، وكوني طبيب أعلم تأثير الحزن على الجسد الهزيل، تسارعت دقات قلبي، حاولت المقاومة، ولكن مع كل شهيق وزفير كنت أتنفس هواء بيتي المدمر، ويخرج من صدري غضبًا على شقى عمري الذي بات رمادًا”.
بصعوبة تم إنقاذ الدكتور جهاد الذي نُقل إلى المستشفى بعدما أصيب بذبحة صدرية، تسببت بها صدمته لفقدان بيته، تمامًا كما هو حال الكثيرين ممن أصيبوا بذات الصدمة.
رئيس قسم القلب في مجمع ناصر الطبي بخانيونس، د.أحمد شعث يقول أن واقع الحرب تسبب في الكثير من الصدمات النفسية للمواطنين، إضافة إلى البرد الشديد وسوء التغذية، كلها عوامل تسببت في زيادة أعداد مرضى القلب في قطاع غزة، والطبيب أبو جزر هو أحد من أصيبوا بذبحة صدرية نتيجة الصدمة العصبية الحادة التي تعرض لها.
وتابع بأن الشباب لم ينجو أيضًا من الذبحات الصدرية والجلطات القلبية بفعل النزوح المتكرر وحياة الخيام القاهرة، حيث البرد الشديد والصدمات النفسية المتتالية.
وأضاف شعث إن نسبة الوفيات بين مرضى القلب ارتفعت خلال الحرب بنسبة تراوحت بين 30-35%، مقارنة بالسنوات الماضية، وأرجع ذلك إلى جملة من العوامل أبرزها الخوف والهلع الشديدين من فقدانهم لمنازلهم، ونزوحهم المتكرر وإغلاق المعابر والنقص الحاد في الأدوية والتغذية ما ادلى إلى تدهور وضعهم الصحي وتوقف عمليات القسطرة.
كما تسبب إغلاق المستشفى الأوروبي من قبل الاحتلال الإٍسرائيلي في توقّف إجراء العمليات لمرضى القلب كونه المشفى الوحيد المتخصص بهذه العمليات في قطاع غزة، وخروجه تمامًا عن الخدمة كان كفيلًا بعدم تمكن الأطباء من الحفاظ على حياة بعض المرضى، كما يؤكد شعث.
ويتنافى ما عاناه مرضى القلب مع اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي نصت في مادتها (18) على عدم جواز الهجوم على المستشفيات، كما يخالف المادة (53) من الاتفاقية والتي حظرت تدمير أي ممتلكات ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو مؤسسات.
وتابع شعث إن عدم توفر الأطعمة الصحية والاعتماد بشكلٍ كبير على تناول المعلبات تسبب في اضطراب نسبة البوتاسيوم في أجساد مرضى القلب، فنقصه يؤدي إلى تسارع ضربات القلب وزيادته يؤدي إلى نقص ضربات القلب وتوقفه، فالوضع بات يتطلب عمل جميع مشافي قطاع غزة وفتح المعابر وإدخال المستلزمات الطبية والإسراع في تحويل الحالات المرضية لتلقي العلاج في الخارج.
واختتم حديثه بأن هناك 6000 تحويلة طبية ما زالت عالقة لم تغادر قطاع غزة ولم يسافر منهم سوى مائة.





