أرزاق عمال المياومة طحنتها رحى الحرب .. (محمود) نموذجًا
أرزاق عمال المياومة طحنتها رحى الحرب .. (محمود) نموذجًا
خانيونس – دعاء برهوم:
في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، كان الشاب محمود ناصر (29 عامًا)، يستعد للذهابِ إلى عمله الذي اعتاده يوميًا منذ سبع سنوات، فجأة تبدل الحال وجلس أمام شاشة التلفاز يشاهد الأخبار عندما انطلقت الصواريخ واندلعت يومها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وسط خيمة قماشية، يجلس محمود حاملًا طفله الوحيد وهو يروي قصته: “كنت أعمل في مصنعٍ لرخام المطابخ بمدينة غزة بيومية (80) شيكلًا، وأحيانًا أحصل على عمل إضافي بشكلٍ شخصي”.
يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، أجبر جيش الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين من سكان شمال قطاع غزة على النزوح إلى جنوبه، في مخالفةٍ لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي تحظر التهجير القسري، محمود وعائلته كانوا ضمن من أرغموا على النزوح.
يُكمل بتنهيدة: “آلة الحرب نسفت المصنع الذي كنت أعمل به، واستشهد صاحبه وبعض أصدقائي في العمل، تقاسمنا الودّ والمحبة لسنوات، وأصبحنا كالإخوة، الحرب مسحت كل ذكرياتنا الجميلة، ودمرت حاضرنا، هأنذا نازح في خيمةٍ ومستقبلي مجهول”.
بدلًا من البيت الذي جهّزه محمود بأجمل الديكورات بمنطقة الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، أصبح الآن يعيش مع عائلته داخل خيمة من القماش المهترئ، بأحد مخيمات النزوح في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، بعدما نزح عدّة مرات.
يقدّر عدد العمّال في قطاع غزة وفق إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (202) ألف عاملٍ، نصفهم بلا عقود عمل، يعملون باليومية مثل محمود، الذي فقد مصدر دخلِه وبات عاجزًا عن تلبية متطلبات أسرته.
يستذكر محمود ما كان عليه، ويتحسر على الحال الذي وصل إليه، من نزوحٍ وتشريدٍ وخوفٍ وفقدٍ وقطع الرزق، يضاف لهذا كله الجوع الذي يفتك بجميع النازحين في قطاع غزة، مع ارتفاع الأسعار وشح المواد الغذائية.
يشرح: “كنت دائمًا اقتطع جزءًا من راتبي وأشارك في جمعيةٍ شهريةٍ (عدّة أشخاص يشاركون بجزء من راتبهم كل شهر ويتسلّمه أحدهم) وأخبئها لبناء مستقبل أبنائي، في الأشهر الأولى للحرب أنفقتها على أمل أن نعود لعملنا قريبًا ونعوّض ما ضاع منا، لكن استمرار الحرب جعلني أعمل في تأمين المساعدات عندما كنت نازحًا في مدينة رفح”.
يُكمل: “منذ سيطرت قوات الاحتلال على معبر رفح البري في السابع من مايو/أيار 2024م، نزحنا إلى مدينة خانيونس، وأصبحت مرة أخرى بلا عمل، أبحث هنا وهناك دون جدوى، فظروف الحياة تزداد صعوبة، و”الشيقل” أصبح بلا قيمة، مع الارتفاع الحاد في الأسعار”.
وتحظر المادة (52)، من اتفاقية جنيف الرابعة، جميع التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى بطالة العاملين في البلد المحتل، أو تقييد إمكانيات عملهم، فلا يجوز أن يمس أي عقد أو اتفاق أو لائحة تنظيمية حق أي عامل، سواء كان متطوعاً أم لا، أينما وجد.
يسند محمود ظهره على حديدةٍ وسط الخيمة، محتضنًا طفله ناصر الذي لم يتجاوز العام والنصف، يقول: “تغيرت حياتي وأصبح أكبر همومي توفير كيس الطحين والبامبرز الذي أصبح باهظ الثمن؛ ورغم اعتمادنا منذ نزوحنا على تكيات الطعام المتواجدة في المخيم، لكن الأطفال لا يعرفون معنى الجوع والاكتفاء بوجبة واحدة”.
تقطع الحوار زوجته صابرين (25 عامًا) وهي تقول بلهجةٍ يائسة: “أصبحت مهامنا اليومية إشعال النار لإعداد الطعام بعد شحّ غاز الطهي وارتفاع أسعار المتوفر منه، وانتظار سيارات تعبئة المياه، وغيرها من المهام الشاقّة التي أخذت الكثير من صحتنا”.
تُكمل: “بعد عامٍ وأكثر من النزوح كل شيء يهون مقابل انعدام الخصوصية في الخيام، فالخيام ملاصقة لبعضها البعض، وتفصل بين الخيمة والأخرى قطعة قماش، لا تستر شيء، إذ يسمع الجميع أحاديث بعضهم ومشكلاتهم”.
يُكافح محمود من أجل توفير لقمة العيش لطفله الأول الذي أبصر النور قبل الحرب بشهر، وكبر في مخيمات النزوح، فأصبحت متطلباته في ازدياد، وباتت حِملًا ثقيلًا على والده الذي يبحث دون كللٍ عن عملٍ لكن دون جدوى.
وتنص المادة (39)، من اتفاقية جنيف الرابعة على ضرورة توفير فرص عمل للأشخاص الذين فقدوا عملهم بفعل الأعمال القتالية، ويجوز للمحميين تلقي المعونات، وتحظر المادة (30) فرض التجويع كعقاب جماعي.
يتابع: “حرب الإبادة تقف حائلًا أمام طموحاتي التي رسمتها لمستقبلي، لقد ذهب كل شيء في غزة إلى الأبد، أشعر وكأنني جسد بلا روح، نعيش يومًا بيوم لعل الكابوس الذي نعيشه يزول ذات يوم”.
يأمل محمود بأن تنتهي الحرب قريبًا، ويعلن الجانب المصري عن فتح معبر رفح البري للسفر والهجرة خارج أسوار غزة المنكوبة، والعيش بأمان واستقرار وبناء مستقبل أفضل لأبنائِه.