لن تشفى ذاكرة دعاء من الحصار وسط الموت

لن تشفى ذاكرة دعاء من الحصار وسط الموت

 

غزة – أنسام القطاع:

“صباح 7 نوفمبر 2023م، استيقظنا ولم نجد أحدًا من الجيران سوانا، صُدمنا، بعدها سمعنا صوت إطلاق رصاص كثيف، وبعد ساعات اتضحت الأمور، حين شاهدنا دبابات جيش الاحتلال الإسرائيلي أمام منزلنا، وعرفنا أنه الاجتياح البري لغرب مدينة غزة”.

بهذه الكلمات، بدأت الصحافية الفلسطينية دعاء عفانة، تروي ما عاشته خلال الاجتياح البري الإسرائيلي لمدينة غزة، فبعد أن شن الاحتلال حربًا على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023م، وأجبر سكّان شمال القطاع على النزوح إلى جنوبه، كانت عائلة دعاء ضمن من أصروا على البقاء في بيوتهم.

دعاء هي أمٌ لطفلين، شهدت المجازر التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في منطقة غرب مدينة غزة، منذ أول اجتياح إلى الرابع، وذاقت ويلات الجوع والحصار.

تقول دعاء: “كنت أنظر من النافذة عندما دخلت أول دبابة شارع لجندي المجهول، وبعدها بدأ سيلٌ من الدبابات يطوّق المنطقة كلها بدءًا من دوار أبو مازن قرب بحر غزة حتى مفرق السرايا قرب وسط المدينة”.

ارتكب الاحتلال خلال هذا الحصار عدّة مجازر، فأثناء نزوح مواطنين من مدارس وكالة الغوث القريبة من عيادة أصدقاء المريض، قنصهم جنود الاحتلال وانتشرت الجثث في الشوارع دون أن يتمكّن أحدٌ من انتشالها مدة ثلاثة أسابيع.

تعقّب: “كان أفواجٌ من الناس يفرون من المدارس باتجاه منزلي، وهم يسقطون أرضًا وأصوات الرصاص تلاحقهم، رأيت نحو 60 دبابة تقف طابورًا والقصف العشوائي يتواصل”.

نزلت دعاء وعائلتها إلى الطابق السفلي من منزلهم، محاولين الاحتماء بأي شيء، بينما يسمعون القصف بالأحزمة النارية وصوت جنازير الدبابات، ما جعلها تصاب بحالة فزعٍ هستيرية، تكمل: “لم أكن أشرب الماء خوفًا من احتياجي لدخول دورة المياه”.

لكن أصعب اللحظات كانت حين تعطّلت إحدى الدبابات الإسرائيلية أمام بيت دعاء، وأصبح القصف جنوني ومرعب، والشظايا تتناثر في كل مكان، بينما دعاء وعائلتها المكوّنة من 22 فردًا يحتمون بغرفةٍ واحدة بمنتصف البيت، لا يملكون سوى الدعاء ونطق الشهادتين، ومع تعقّد الوضع أرسلت دعاء رسالة لصديقتها النازحة جنوب القطاع لمناشدة الصليب الأحمر بإنقاذهم، لكن الجواب كان أن هذه المنطقة عسكرية مغلقة لا يستطيعون التحرك فيها.

على مدار نحو 17 يومًا، عاشت دعاء وعائلتها فصولًا من الرعب والجوع وانتظار الموت حتى إعلان الهدنة بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي يوم 24 نوفمبر 2023م.

تقول: “عشنا كل هذه المدة محاصرين بلا مأكل ولا مشرب، كنا نشعر في كل دقيقة إننا سنفقد حياتنا، نخاف التحّرك داخل البيت، نصوم معظم الوقت كي لا ندخل دورة المياه، من شدة الخوف كنت أتقيّأ إذا أكلت، سلّط الاحتلال أجهزة تجسس صوب الشبابيك، وفي حال صدرت أي حركة يتم إطلاق الرصاص على كل أرجاء البيت”.

كان الاحتلال يفتح أبواب البيوت من خلال تفجيرها، ما جعل عائلة دعاء تعيش حالة رعب، ويرسموا سيناريوهات مخيفة لمصيرهم المجهول، “ماذا لو اقتحم الجيش بيتنا؟ كيف سنشرح لهم أننا مدنيون؟، هل سيعدمونا مباشرة؟ أم سيذيقونا العذاب؟”، تقول دعاء.

قصف الاحتلال ألواح الطاقة الشمسية على سطح منزل دعاء، فانقطعوا تمامًا عن العالم الخارجي، اعتقد معظم أقارب وأصدقاء العائلة إنهم استشهدوا، ولم يتوقع أحد نجاتهم، نجوا صحيح، ولكن أرواحهم ظلّت معلقّة بالتجربة المؤلمة.

ويخالف ما تعرضت له عائلة دعاء اتفاقية جنيف الرابعة التي حظرت في مادتها (3) الاعتداء على المدنيين بالقتل والتشويه والتعذيب، كما طالبت بمرور الإرسالات الإنسانية إلى السكان، كما حظرت الاعتداء على الممتلكات المدنية.

تكمل: “حين دخلت الهدنة حيز التنفيذ، لم نكن نعلم عنها شيئًا، رأينا شبانًا يركضون في الشارع، أخبرناهم أن الوضع خطير فردّوا علينا أن هناك هدنة والجيش انسحب”.

تواصل بعد انتهاء الهدنة الاجتياح البري، وشاهدت دعاء جنود الاحتلال وهم يسرقون بنك فلسطين في شارع الجندي المجهول، ويلعبون بالنقود، ويفتحون المحال التجارية ويلعبون بالهواتف الذكية ويلقوها أرضًا.

حوصرت دعاء وعائلتها أربع مرات خلال حرب الإبادة، وذاقت في كل مرة ويلات العذاب، وفي الحصار الثاني الذي استمر لأسبوعين، استشهد خالها الذي ذهب لجلب مياه الشرب لعائلته، وبقي جثمانه ملقى في الشارع ليومين تحت المطر الغزير، بعدها سحبوا الجثمان وكفنوه ولم يتمكنوا من دفنه إلا بعد انسحاب الجيش.

تواصل: “كان جيش الاحتلال يرسل لنا مسيرات الكواد كابتر للتحدث معنا، كانوا يلعبوا بأعصابنا بطريقة ممنهجة، وهذه من أصعب الأوقات علينا”.

وعن الحصار الثالث عندما حدثت محرقة مستشفى الشفاء وحرق البيوت المجاورة له، توضح: “كان الاجتياح في شهر رمضان وعانينا من الجوع فلم نتمكن من جلب سحور ولا إفطار نتيجة الخوف وشح الموارد”.

تزفر الشابة التي ما زالت تعيش في بيتها بشدة وهي تختم بدهشة: “لم أتوقع نجاتي، كان الموت قريب مني ولكني نجوت”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى