بعد 18 عاما من الاعتقال سلام على القبور بدل العناق المنتظر ..هذه قصة ياسر
بعد 18 عاما من الاعتقال
سلام على القبور بدل العناق المنتظر ..هذه قصة ياسر
خانيونس- دعاء برهوم :
“عندما وطأت قدماي أرض غزة بعد 18 عامًا من الاعتقال، امتزجت مشاعري بين الحزن والفرح، صُدمت بعدد الشهداء ومن بينهم كل عائلتي حتى أمي، وبحجم الدمار الذي خلّفته آلة الحرب الإسرائيلية”.
يصدمك الأسير المحرر ياسر أبو دقة (38 عامًا) بهذه الكلمات التي قالها وهو يجلس على ركام منزله في منطقة عبسان شرق مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، تارة يبكي عائلته التي مسحتها آلة الحرب الإسرائيلية من السجل المدني بعد هدم منزلهم فوق رؤوسهم، وأخرى يقلّب صورهم على هاتفه النقّال.
ياسر أبو دقة، هو أحد الأسرى الفلسطينيين الذين أفرج عنهم من سجون الاحتلال الإسرائيلي ضمن الدفعة الرابعة من اتفاق وقف إطلاق النار مطلع فبراير 2025م، ليعقد قرانه على خطيبة شقيقه الشهيد حسن، على أمل أن يكمل العهد ويبني البيت الذي هدمه الاحتلال الإسرائيلي، وقتل كل من فيه وهم (18 فردًا).
يتابع: “كنت أنتظر الإفراج عني لأنعم بحضن أمي التي صبرت على مرارة الفراق، لكن قدري أن أعيش لوعة الفراق مجددًا، عام 2015 توفي والدي دون أن ألقي نظرة وداع عليه، وأواخر 2023م استشهدت كل عائلتي دون وداع”.
يعيش ياسر الحسرة على عائلته التي تمنى أن يجد أحدهم في استقباله عند الإفراج عنه، لكن استشهادهم جميعًا حفر جرحًا عميقًا في قلبه، إذ لم يخطر في باله أبدًا أن يفقدهم كلهم مرّة واحدة.
تسقط الدموع من عينيه وهو يكمل: “كنت معتقلًا في سجن ريمون، منذ أول يوم للحرب وأنا أتابع أخبار غزة، أمسكت بالهاتف واتصلت بوالدتي فلم تجب، ثم إخواني واحدًا واحدًا، ولا مجيب، بعدها هاتفت زوج أختي الذي أخبرني باستشهادهم جميعًا، كان خبرٌ كالصاعقة، لم أستوعب ما حلّ بي، وما هي إلا أيام حتى استشهد زوج أختي أيضًا”.
عن آخر مرة التقى فيها والدته يقول:”70 دقيقة كانت كفيلة أن تهدأ لوعة الفراق عندما زارتني والدتي بعد عامين ونصف من رفض مصلحة السجون للزيارة، كان ذلك يوم 23 سبتمبر 2023م، بعدما أدّت والدتي فريضة الحج، ودعت لله أمام الكعبة أن يمنّ عليّ بالزيارة والإفراج، قالت لي (بدي أفرح فيك وأشوف أطفالك)، والدتي كانت تزورني كل ثلاث شهور وأحيانًا تُمنع، باقي العائلة يرفض الاحتلال زيارتهم لي”.
بعد أسبوعين فقط من الزيارة بدأت الحرب على غزة، ففي الساعة الثانية ظهرًا اتصل بهاتف والدته، وتبادلوا الحديث وعبروا عن اشتياقهم وأمنياتهم، وفي ذات الليلة، استشهدوا جميعًا.
كان أول مكان زاره ياسر بعد الإفراج عنه هو قبر والديه ثم قبور إخوته، بكى على أرواحهم وألقى عليهم السلام بدلًا من العناق المنتظر، فما حدث حفر في قلبه جرحًا لا ولن يندمل.
اعتقل الاحتلال الإسرائيلي ياسر عام 2006م، على الحدود الشرقية لمنطقة عبسان، وحُكم عليه بالسجن 27 عامًا قضى منها 18 عامًا ونصف، متنقلًا بين سجني نفحة وريمون، وأقسام أخرى في سجون كانت كالمسالخ البشرية.
يوضح: “منذ بداية اعتقالي مارست إدارة السجون بحقي التعذيب بشتى أنواعه، وفرضت عليّ عقوبات قاسية منها الحرمان من زيارة أهلي والغرامات والعزل والانفرادي في زنزانة دون أي تهم، كما مارس السجّان الحرب النفسية ضد الأسرى من خلال نقل أخبار غير صحيحة، إضافة إلى الإهمال الطبي الذي يؤدي للموت البطيء وحرمانهم من أبسط حقوقهم”.
وتابع: “كل ما عانيته على مدار 18 عامًا؛ لا يقُارن بما عشناه منذ حرب 7 أكتوبر، فقد تعرضنا للضرب والشبح والإذلال والتجويع، لا يعلم أحد ما يجري معنا داخل السجون إلا حين يسمعون عن استشهاد أسير نتيجة التعذيب”.
نكّلت إدارة السجون بالأسرى ومنعت عنهم العلاج والأغطية في الشتاء، حتى انتشرت بين الأسرى الكثير من الأمراض الجلدية وهناك الكثير من الأسرى ممن ما زالوا يعانوا من الأمراض دون علاج كما يروي ياسر.
عندما تم اعتقال ياسر على الحدود الشرقية لمدينة خانيونس، كان طالبًا في عامه الجامعي الأول، فأكمل مشواره التعليمي وكان في طريقه للحصول على شهادة الماجستير من جامعة فلسطين، ولكن حرمه الاحتلال تلك الفرصة بعد اندلاع الحرب.
عودة إلى أحداث 7 أكتوبر، والتي أيقن بعدها الأسرى أن حريتهم باتت قريبة، لكن يعقّب بحزن: “لم نكن نعرف ماذا يحصل في الخارج بسبب تعمّد مصلحة السجون عزلنا عن العالم، فعندما بدأت عملية التبادل ونُقل الأسرى تمهيدًا لإطلاق سراحنا، بدأ كلّ منّا يجهّز نفسه علّ الدور يصله”.
ويختم: “يعيش الأسرى على أمل أن شمس الحرية سوف تبزع ذات يوم، وأن يتنسمّوا هواء الوطن خارج السجون”.