رغمَ دمارِ بستانه… (عبد الله) يواجه النزوح بالورد

رغمَ دمارِ بستانه… (عبد الله) يواجه النزوح بالورد

 

خانيونس- هناء أبو قوطة:

“عبد الله، بيعوّض الله، دارك ومزرعتك انقصفوا وصاروا ركام”.

جحظت عينا الشاب عبد الله القاضي (35 عامًا) وهو يتلقّى عبر هاتفه النقّال هذه العبارة من أحد جيرانه، أنهى المكالمةَ وانهارَ وسط خيمتِه فاغرًا فاه، فهي تعني أن شقّى عمرِه ذهبَ أدراجَ الرياح.

أغمض عبد الله عيناه وهو ينظر بأسى لأطفاله الثلاثة النائمين في الخيمة الباردة، والذين ينتظرون بفارغِ الصبر العودة لمنزلِهم وورودهم، وزوجته التي أجهشت بالبكاء، ضرب كفًا بكفٍ وجلس يسترجع ما حدث!

يقول: “لم أتوقّع كل ما جرى، كانت لدي مع ورودي ومزرعتي الكثير من الأحلام، حققت جزءًا كبيرًا منها من خلال مشروعي (عبّود فلورز)، الآن عدت لما تحت الصفر، فالورود المتفتحة أصبحت رمادًا”.

في تفاصيل الحكاية، فالشاب الذي كان يسكن حي تل السلطان غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تخرّجَ من قسمِ التربية الرياضية، وحصل على المركز الأوّل في السباحة، وكي لا يقف في طابور المتعطلين عن العمل، فقد أنشأ عام 2013م، مشروعه (عبّود فلورز)، من خلال زراعة أرضهم بالورد، وإنتاج مختلف أنواع الورود التي تزيّن جباه العرائس، وقاعات المناسبات.

يروي عبد الله: “لم يكن مشروعي وليد اللحظة، بل ثمرةَ سنواتٍ من الجدِّ والتخطيط والتنقّل لتهيئة الأرض وجلب البذور المميزة والعناية بها كأبٍ يرعى صغاره، حتى تنمو وتزدهر وتصبح إكليلًا يزين جبين عروسٍ في ليلة عمرها، أو طوّقٍ يحيطُ عنقَ شابٍ وشابةٍ متميزين، أو قوّارة ورد في غرفةٍ يملؤها الحب”.

تطوّر مشروع الشاب، لم يكتفِ بتصدير الورد إلى خارج قطاع غزة؛ بل افتتح متجرًا للزهور، لتزيين قاعات الأفراح ومنازل الخريجين وأعياد الميلاد أو الاحتفال بمولودٍ جديد، وتزينت حياته أكثر بقدوم أطفاله وسط هذا الجو البهيج بدعمٍ من زوجته وعائلته.

يطرق الشاب برأسه مكملًا: “مع اندلاع الحرب على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، أصبح بيتي مأوى للنازحين من شمال القطاع، كان مكتظًا وفُتحت أبوابه بكل حبٍ لقرابة خمسين شخصًا من الأقارب وغيرهم”.

اقتسم عبد الله مع النازحين لبيته القوت الذي يحصده من مزرعته العامرة بالخضراوات إلى جانب الورود، واستخدم الطاقة الشمسية لمنزله في إنارة عتمة الليل الموحش للنازحين وضخ المياه من الآبار المخصصة للمزرعة، لكن مع اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لمدينة رفح جنوب قطاع غزة في مايو/ أيار 2024م، انقلبت حياة عبد الله، تاركًا خلفه بيته وزهوره الذابلة، فالمنزل دُمر والآبار رُدمت، وألواح الطاقة كُسرت، والورد أصبح رمادًا.

يقول: “نزحت من بيتي إلى حي المنارة شرق محافظة خانيونس، ومنذ ذلك الحين وأنا في صراع، حياتي انقلبت تمامًا، أعيش في خيمة بدلًا من بيتي العامر، أحاول الصمود، ومع صعوبة الحال وعدم توفر المال اتخذت خطوات باتجاه البدء من جديد في الخيام، الورود مفرحة حتى لو كانت صناعية، والخيام قاهرة ولكن ستكون جميلة بنازحيها”.

باشر عبد الله مجددًا العمل بتزيين خيام النازحين بالورود في مناسباتهم، وذلك لتحدّي الواقع الاقتصادي الصعب الذي فرضه النزوح خاصة مع فقدانه لمصدر دخله، لكنه مرّ بأكثر المواقف صعوبة في حياته!

يسند ظهره إلى خشبة في خيمته وهو يروي: “كنت أزين خيمة عروس تأخّر فرحها بسبب الحرب، ومع خبر تقدّم آليات الاحتلال شرق خانيونس، وتحديدًا حي المنارة حيث خيمتي، تركت العمل وحاولت الاتصال بأهلي ولم يجب أحد، قضيت الليل كاملًا أنتظر، الوضع كان معقدًا ولم أستطع العودة، الاحتلال يطلق النار على كل جسمٍ متحرك، فجرًا انسحبت الآليات وعدت للقاء عائلتي الذين هربوا من الخيمة تاركين كل أغراضهم للنجاة بحياتهم”.

ويتنافى ما تعرض له عبد الله مع اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب والتي تحظر في مادتها (53) على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، كما تنص المادة (39) على أن توفر للأشخاص المحميين الذين يكونون قد فقدوا بسبب الحرب عملهم الذي يتكسبون منه، فرصة إيجاد عمل مكسب.

“أين أذهب من هذا الجحيم، وهل ستعود حياتنا لطبيعتها؟ أهرب من أطفالي لعدم قدرتي على تلبية احتياجاتهم وهم الذين اعتادوا العيش برفاهية، يلعبون بحديقة الورد ويتناولون ما تنتجه الأرض”، يقول الشاب.

ويختم عبد الله حديثه بأمنياته أن تنتهي الحرب ويعود لاستكمال مشروعه والنهوض من جديد، فبالورود إما أن يُكلل جبين عروس، أو يُزين قبر شهيد وهذا حال غزة يليق لها وبها الورد في كل الظروف.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى