على كرسيه المتحرك ثلاثة أيام وشريف وزوجته تحت الركام

على كرسيه المتحرك

ثلاثة أيام وشريف وزوجته تحت الركام

 

جباليا- هيا بشبش:

“داخل غرفةٍ نصف جدرانها من الشوادر والنايلون، أجرى طبيبي عملية جراحية على ضوء الهواتف المحمولة، محاولًا علاج التقرّحات التي وصل عمقها إلى 5 سم، بسبب عدم الحركة وبقائي لفترة طويلة في الفراش”.

هكذا وصف المسنّ شرف قرموط (75 عامًا)، ما فعله طبيبه لتخفيف آلامه، فالرجل الذي يسكن مدينة جباليا شمال قطاع غزة، يعاني من شلل، مع ذلك رفض النزوح خارج بلدته!

استقبلنا شريف على كرسيٍ متحرك استعاره من جاره، بعدما دُمر كرسيه المتحرك مثلما دمر منزله، واستشهد حفيداه بسبب القصف العشوائي لطائرات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة التي بدأت منذ 7 أكتوبر 2023م.

يقول شريف: “لا يوجد خدمات طبية حاليًا شمال قطاع غزة، توجد فقط بمدينة غزة وتحتاج إلى جهد كبير لا أستطيع تحمله، وحالتي الصحية مؤخرًا لا تسمح لي بالحركة كثيرًا، لا أستطيع الجلوس على الكرسي المتحرك لفترات طويلة بسبب التقرحات، لذا اضطر طبيبي لإجراء عملية جراحية داخل الغرفة، وأنا ملقى على سريري وعلى أضواء الجوالات”.

يعاني شريف من شللٍ كلي نتيجة إصابة عمل منذ 46 عامًا، وظهرت مؤخرًا تقرّحات بسبب عدم الحركة، إذ رفض هو وزوجته نعمة عوض (72 عامًا) النزوح، حين أجبر جيش الاحتلال السكان على ذلك.

يكمل: “لم أستطع النزوح مع أولادي الاثنين وأسرهم بعد تهديد جيش الاحتلال لسكان المنطقة، أدركت أنني سأكون عبئًا عليهم في ظل القصف الجوي، خاصة أن جميع طرق الحي أُغلقت بركام المنازل المدمرة، وكان من الصعب خروجي”.

سحب شريف كرسيه المتحرك واتجه إلى عتبة منزله، أخذ يراقب المارّة أمام بقايا منازل الحي، أشار بعينيه إلى ركام منزلٍ مجاور لمنزله وقال:” قُصف هذا المنزل وأنا وزوجتي بالداخل، انهارت جدران الغرفة علينا، اتصلت بأبنائي وأخبرتهم أني ووالدتهم تحت الركام، وسألتهم إن كان بمقدور أحدٍ إغاثتنا، خاصة بعد توقّف عمل الدفاع المدني شمال القطاع”.

بعد ثلاثة أيام، وصل حفيده أحمد (24 عامًا)، كانت القذائف قد هدأت، وبدأ الشاب بإزالة الركام، كانت جدّته مصابة بكسور، نظّف أحمد الغرفة من الركام ورتّبها، وذهب ليحضر الطعام لهما، لكنه لم يعد.

“استشهد على ناصية الشارع”، يقول شريف ويبكي بحرقة، ثم يسند ظهره إلى الكرسي المتحرّك ويتنهد بعمقٍ ويكمل: “كان ذلك يوم 7 نوفمبر 2024م، أنقذنا ورحل، كان بين فترة وأخرى يتفقدنا ويُحضر لنا الماء والطعام، جاء خبر استشهاده كالصاعقة، لم أصدّق في البداية، فالخبر وصل سريعًا بعد خروجه بقليل، ظننت أنه تشابه أسماء، الحقيقة أصعب من أن أصدقها”.

بينما يعيش شريف الحزن على حفيده أحمد، صُدم سريعًا باستشهاد حفيده الثاني ياسر، فالحركة داخل الحي خطيرة، لكن أحفاده غامروا من أجله.

يجهش بالبكاء ويشرح: “بعد استشهاد أحمد، أصبح شريف هو من يتفقدنا، حضر يوم 30 نوفمبر 2024م، كنا بحاجة للماء، وأيضًا خرج واستشهد، دفنوا الاثنين ولم أودّعهم”.

وتوفر الاتفاقيات الدولية حماية خاصة لذوي وذوات الإعاقة، من بينها اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي تنص في مادتها (16) على أن يكون للجرحى والمرضى والعجزة والحوامل احترام خاص، وهو ما لم يحدث مع شريف الذي حُرم من القدرة على النزوح، كما حظرت الاتفاقية في مادتها (3) قتل المدنيين، وهو ما لم يحدث مع حفيديه.

أنهكت القصة شريف الذي أخذ بالبكاء على حفيديه وهو يعدد خصالهم، ليكمل ابنه رائد: “مضت الأيام ثقيلة على والديّ، وحدهما هنا خاصة بعد استشهاد أحمد وياسر، انتقلنا أنا وأخي رأفت وأسرنا إلى خيمةٍ في شارع غزة القديم، داخل مدينة جباليا، لنكون قريبين منهما”.

يتنهد بحزنٍ ويكمل: “كنت أتفقدهم بين حينٍ وآخر لتأمين احتياجاتهم، عدنا عند سريان الهدنة يوم 19 يناير 2025م، أزلنا الركام وحاولنا إصلاح بعض الجدران باستخدام الشوادر والنايلون”.

حسرةٌ في قلب رائد الذي فقد ابنه شهيدًا إلى جانب ابن أخيه، لكنه يتحامل على حزنه من أجل تأمين احتياجات العائلة في ظل انعدام كل مقومات الحياة شمال قطاع غزة، يعقّب: “والدي يحتاج منّا جهد وطاقة كبيرين، نحاول تهيئة الظروف له كي يقوى على حزنه”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى