ألف صراخ مكتوم في صدر (رغدة)
ألف صراخ مكتوم في صدر (رغدة)
غزة- نغم كراجة
“وين بدنا نروح؟ هذا السؤال صار حياتنا!” هكذا بدأت رغدة حجازي، الأربعينية التي نزحت مع عائلتها من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حديثها وهي تجلس على فراشٍ مهترئٍ في زاوية غرفةٍ مكتظةٍ بأربع عائلات، كل منها يقتسم المأساة بمرارةٍ مشتركة.
رغدة، التي تعيش حاليًا مع أسرتها المكونة من تسعة أفراد (ستّ إناثٍ وثلاثة ذكور) في مدرسةٍ بحي الدرج بعد موجات نزوحٍ متكررةٍ من منزلها في الشجاعية، تخوض يوميًا معركة تأمين لقمة العيش في ظل غياب المعيل، بعد أن احتُجز زوجها جنوب قطاع غزة منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، ليتفرق أفراد العائلة بين شمال القطاع وجنوبه.
رغدة، كحال آلاف العائلات، وجدت نفسها، بعد قصف منزلها منذ بداية الحرب، تتعرض لانتهاك أبسط حقوقها، في مخالفةٍ للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تُحظر عمليات النقل القسري للسكان المدنيين، تقول بغصة: “صرنا نقلي الخبز مثل الشيبس ونبيع عشان ما نحتاج حدا”.
تضطر رغدة وابنتها أسماء (19 عامًا)، للوقوف ساعاتٍ طويلةٍ أمام المخبز للحصول على بضع أرغفة تُعيد بيعها للنازحين، لتحصل على هامش ربحٍ بسيط، في محاولةٍ يائسةٍ لتأمين احتياجاتهم اليومية.
أسماء، التي يكسو ملامحها مزيجٌ من الإصرار والإنهاك، تُعبر بصوت هادئ لكنه مثقل بالهموم: “أنا كنت أحلم أصير صيدلانية، كنت بدرس طول الليل عشان أحقق حلمي، بس اليوم بحرق كتبي عشان أشعل النار لإعداد الخبز، شو استفدنا من الحلم؟”.
تبرق عيناها بدموعٍ حبيسةٍ وهي تشير إلى الكتب المحترقة بجانب الحطب، مشهد يعكس قسوة الواقع الذي أجبرها على وضع أحلامها جانبًا لتتحول إلى “خبّازة النازحين”.
انفجرت رغدة بالحديث عن الانحياز في توزيع المساعدات، مشيرة إلى أن أسرتها تُستثنى معظم المرات من قوائم الإغاثة: “ليش؟ لأنه ما في رجال بيننا؟! نحن كمان بشر … نعيش على الهامش، ونحفر بالصخر عشان نطعم أطفالنا .. المساعدات ما بتوصلنا، والمنظمات تكتفي فقط بالصور والوعود”.
غياب المساعدات يتعارض مع المادة (23) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تضمن مرور الإمدادات الطبية والإنسانية بشكلٍ عاجلٍ إلى المدنيين، لكن على أرض الواقع، يبقى نص القانون حبرًا على ورق، وتبقى عائلات مثل عائلة رغدة ضحية للإهمال الدولي.
داخل الغرفة، التي تكاد تخنق من فيها بضيقها واكتظاظها، تعيش رغدة مع ستة إناث وثلاثة من الذكور، في زاويةٍ واحدةٍ تفتقر لأي شكلٍ من أشكال الخصوصية، تقول رغدة وهي تحاول تنظيم المكان: “البنات بيكبروا وما في مكان ولا خصوصية، هدول وين بدي أربيهم؟ وين بدي أحفظهم من عيون الناس؟”، كل كلمة خرجت من فمها كانت تحمل ألمًا دفينًا وحسرةً على مستقبلٍ مجهولٍ ينتظر أسرتها.
ورغم كل هذا العناء، تُصر أسماء على أنها لن تستسلم أبدًا، تقول: “حتى لو الدنيا ضدنا، بدي أعمل اللي أقدر عليه.. بدي أعيش وما أمد إيدي.. صحيح بنبيع الخبز بديل الشيبس، بس على الأقل إحنا بنحاول نعيش بشرف”، تقولها وهي تقلب أرغفة الخبز بيدين مشققتين من العمل المتواصل، بينما تُشعل النار تحت القدر.
رغدة، التي لم يعد لجسدها المتعب قدرة على تحمل المزيد، تُظهر إصرارًا خارقًا أمام أطفالها رغم الظروف القاهرة لكنها لم تُخفِ استياءها من غياب الدعم النسوي والحقوقي، مشيرة إلى أن النساء يتحملن العبء الأكبر دون أدنى مقومات أساسية: “ما حدا بيفكر بالنساء، لا بحاجاتهن الصحية ولا الشخصية.. ست بنات معي، كيف بدي أوفر لهن؟! حتى الفوط الصحية صارت حلم”، صوتها كان أشبه بصرخة مكتومة وسط الزحام، تحمل نداءً للعالم الذي أغلق أبوابه أمام معاناتها.
في ظل هذه الظروف المأساوية، يتجلى غياب الالتزام الدولي بحماية المدنيين، ما يُعد انتهاكًا للمادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تُحرم المعاملة اللاإنسانية أو المهينة وتوجب حماية كرامة النساء وتأمين احتياجاتهن الأساسية بدلًا من ذلك، تُجبر رغدة على اتخاذ قراراتٍ قاسيةٍ مثل ترك رضيعتها دون حفاضات لعدم قدرتها على شراء البدائل في مشهدٍ يجسد انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية.
عادت رغدة لتحمل ما تبقى من الخبز المقلي لتبيعه للنازحين، فيما كانت أسماء تجلس بجانب النار، تُقلّب كتبها المتبقية، وكأنها تودع حلمها الأخير قبل أن يتحول إلى رماد، تختم: “الحياة هنا ما فيها حياة، بس ما بنقدر نوقف..هذا قدرنا”.