أ.إيمان الغولة.. الحرب سلبتها آلة برايل وإرادتها صنعت طريق الحلم

أ.إيمان الغولة.. الحرب سلبتها آلة برايل وإرادتها صنعت طريق الحلم

أ.إيمان الغولة.. الحرب سلبتها آلة برايل وإرادتها صنعت طريق الحلم
#الحماية_حق #cdmcgaza

غزة-  دعاء برهوم

“منذ أن تنفست أولى أنفاسي في الحياة لم أشعر بالعجز نهائيًا إلا عندما فرضت الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندها فقط شعرت أنني من ذوات الإعاقة البصرية، بعدما أصبحت الحياة اليومية أكثر قسوة في ظل القصف المستمر والنزوح المتكرر”.

تقول إيمان الغولة (27 عامًا) من حي التفاح شرق مدينة غزة: “تحولت إعاقتي إلى عبء مضاعف خلال الحرب بعد أن تغيّر الواقع الذي نعيشه. كنت قبل ذلك أعيش تفاصيل حياتي اليومية بسهولة دون مساعدة أحد، أحفظ اتجاهات منزلنا وكل زاوية فيه، لكن بعد تدميره تعثرت كثيرًا في حفظ الأماكن الجديدة التي نلجأ إليها مع كل نزوح جديد”.

وتضيف: “أُجبرنا على النزوح خمس مرات والتنقل بين مناطق مختلفة في جنوب ووسط القطاع. لم يكن النزوح انتقالًا جغرافيًا فقط، بل كان تفكيكًا متكررًا لما أحفظه من تفاصيل المكان. في كل مرة أحاول حفظ الموقع الذي نلجأ إليه، وسرعان ما يأتي أمر إخلاء جديد فنضطر للنزوح مرة أخرى إلى منطقة أكثر أمانًا، لأبدأ من جديد في التعرف إلى المكان باللمس ومع اتجاه الشمس. فكل شيء يواجهني، وإن كان صعبًا، أحاول أن أتغلب عليه”.

وتصف إيمان الغولة مكان نزوحها داخل مدرسة السوارحة في دير البلح وسط قطاع غزة بأنه أشبه بالسجن، بسبب اكتظاظ النازحين داخل الصفوف، والاصطفاف في طوابير طويلة للحصول على فرصة واحدة يوميًا لدخول المرحاض أو تعبئة جالون من المياه الصالحة للشرب، مؤكدة أن الحياة داخل مراكز الإيواء تكاد تكون معدومة.

وتستذكر قائلة: “عندما خرجنا مرغمين من منزلنا في بداية الحرب، تركت خلفي قطعة من قلبي؛ آلة برايل. لم أتذكرها من شدة القصف والخوف الذي سيطر علينا. لم يخطر ببالي حينها إلا النجاة بأرواحنا. كانت آلة برايل رفيقتي منذ الصف الأول الابتدائي، لكنها دُمّرت مع المنزل، ولم أتمكن من إخراجها أو استبدالها، والآن أجد صعوبة بالغة في الاستمرار بالتعليم”.

وتتابع: “قبل اندلاع الحرب بأيام ذهبت إلى الجامعة وسجلت آخر مساقاتي الدراسية لإنهاء الفصل الدراسي في تخصص الصحافة والإعلام، والانتقال إلى إعداد رسالة الماجستير، لكن الحرب حالت بيننا. توقفت عن الدراسة لأشهر قليلة، ثم عاد التعليم إلكترونيًا، وتمكنت من إنهاء دراستي بتقدير امتياز، وأنتظر بشغف استكمال الماجستير لأكمل بعدها الدكتوراه في الصحافة”.

وبصوت مثقل بالحزن تقول: “أشعر بالقهر كلما سلكت طرقًا وعرة لم أعهدها من قبل، لمسافات طويلة برفقة أختي بحثًا عن إشارة إنترنت تمكنني من الالتحاق بالمحاضرات وتسليم الواجبات. فالإنترنت أصبح صعب المنال، وشحن الجوال الذي أستخدمه في دراستي لا يكفي إلا لساعات قليلة. كلها أمور كانت تبدو عادية قبل الحرب، أما اليوم فأصبحت تحديات يومية. ورغم التعب والإرهاق الذي يصاحبني في كل مرة، أُحفز نفسي باستمرار لأحقق حلمي وأتجاوز كل العقبات”.

وتصف إيمان الغولة الخيمة بأنها “صندوق ضيق لا راحة فيه ولا حياة كريمة”، بعدما كانت تعيش في منزلها. وتقول إنها فقدت خصوصيتها بالكامل بعدما فرضت عليها الحرب العيش بين أربعة أعمدة من الخشب وقماش بالٍ لا يقي حر الصيف ولا برد الشتاء، ويفتقر إلى أبسط المتطلبات الأساسية.

وتتابع: “الحرب لم ترحم أحدًا في غزة، وتبدلت أحوالنا جميعًا، حتى نحن ذوي الإعاقة. أصبحت أساعد إخوتي في نقل المياه من مسافات طويلة إلى الخزانات داخل الخيمة، وأغسل ملابسي بيدي، وأقوم بالكثير من الأعمال التي لم أقم بها من قبل إلا خلال الحرب”.

ورغم كل ذلك، تؤكد إيمان الغولة أنها لم تفقد شغفها، قائلة: “رغم الضغوط النفسية التي مررت بها خلال العامين الماضيين، تمكنت من تخصيص زاوية صغيرة بجوار خيمتي، ونفذت فيها العديد من اللقاءات التوعوية والإرشادية للسيدات والأطفال في مكان النزوح”.

وتنظر إيمان الغولة بعين الأمل إلى المستقبل، آملة في الحصول على جهاز برايل جديد يساعدها على مواصلة تعليمها ونشاطاتها، والحصول على وظيفة مرموقة في مجال الإعلام، مؤكدة أن طموحها أكبر من أن توقفه الإعاقة أو الحرب، وأنها تسعى لإثبات قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة وتجاوز الصورة النمطية المفروضة عليهم في المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى