د. جميلة أبو شنب أثرٌ لا يغيب.. إذا استشهدت انشروا رسالتي

كيف هزمت دكتورة من غزة "محو المعرفة" بنشر أبحاثها من فوق الركام؟

د. جميلة أبو شنب أثرٌ لا يغيب.. إذا استشهدت انشروا رسالتي

د. جميلة أبو شنب أثرٌ لا يغيب.. إذا استشهدت انشروا رسالتي
#الحماية_حق #cdmcgaza

غزة – سهاد الربايعه

لم تكن تخشى على منزلٍ سيصبح لاحقًا ركامًا، ولا على مقتنيات يمكن تعويضها، بل كانت تخشى على سنوات عمرٍ أمضتها بين الكتب والبحث العلمي. لذلك لم يكن حديثها مع إخوتها يدور حول بيت أو مال، بل حول ثمرة سنوات من السهر والبحث. قالت لهم: “إذا استشهدتُ… أمانتكم أن تنشروا رسالتي، ولا تدعوا حلمي يموت معي.”

بهذه الكلمات، لم تكن الأكاديمية جميلة أبو شنب تحمي مجرد أوراق، بل كانت تدافع عن ذاكرة علمية في وجه حرب حاولت أن تطمس التعليم والمعرفة في قطاع غزة.

كان من المفترض أن تقف جميلة أبو شنب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 على منصة المناقشة لتتلقى التهاني بحصولها على درجة الدكتوراه، لكن الحرب غيّرت المسار. فبدلًا من قاعة أكاديمية، وجدت نفسها نازحة داخل صف مدرسي يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تراقب الجامعات وهي تُقصف، والأساتذة والباحثين يرتقون تباعًا، فيما كانت تحاول إنقاذ حلم أمضت سنوات في بنائه.

تقول جميلة أبو شنب، التي عملت لسنوات مشرفة تربوية في كبرى جامعات القطاع ومؤسساته الأهلية، إن الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب، بعدما اضطرت وعائلتها إلى النزوح أكثر من مرة، وفقدت منزلها.

وتستذكر تلك الأيام قائلة: “بكيت كثيرًا على حالنا وعلى طريقة نزوحنا، كنت أبقى داخل الصف ولا أخرج منه، أشعر بالخوف والرهبة من التعامل مع الآخرين، وانعزلت بسبب ما عشناه. فقدنا منزلنا، وعندما عدنا إلى غزة حاولنا تهيئة مكان للسكن فوق أنقاضه، لأن أرواحنا كانت ما تزال معلقة به.”

لكن الخسارة لم تتوقف عند حدود البيت، بل امتدت إلى الجامعات التي كرست لها حياتها، ومع استهدافها واستشهاد عدد من الأكاديميين، شعرت أن التعليم نفسه يتعرض لمحاولة محو ممنهجة.

وتقول: “عندما سمعت بقصف الجامعة واستشهاد قامات علمية، بكيت كثيرًا حينها  وشعرت أن التعليم يُدمر أمام أعيننا، وأن ما يحدث أكبر من استهداف مبانٍ، بل استهداف للعقول وللمستقبل.”

لم تستسلم جميلة أبو شنب. كانت تعلم أن أطروحة الدكتوراة قد تكون آخر ما يبقى منها إذا طالها الموت، فحفظتها على أكثر من جهاز، وأرسلت نسخًا منها إلى إخوتها خارج غزة، وظلت تتمسك بحاسوبها وهاتفها كما لو أنهما يحملان سنوات عمرها.

ولم تكن الحرب قاسية عليها كباحثة فقط، بل كامرأة تتحمل مسؤولية والدها المسن وشقيقتها التي تحتاج عناية خاصة، إلى جانب فقدان خالها الذي كان يمثل سندًا كبيرًا في حياتها، وهو ما ضاعف أعباءها النفسية والإنسانية.

ومع انقطاع الكهرباء، وغياب الإنترنت، وتدمير المكتبات والجامعات، تحولت مواصلة البحث العلمي إلى مغامرة يومية.

وتستذكر تلك المخاطرات قائلة: “كنت أمشي لساعات طويلة وسط أخطار الموت، لا أبحث عن طعام، بل عن ومضة كهرباء أو إشارة إنترنت تمكنني من الكتابة وتحميل المراجع والتواصل مع المشرفين. كانت رحلة البحث عن المعرفة مجازفة حقيقية بين الحياة والموت.”

وتضيف أن ساعات طويلة كانت تضيع يوميًا في التنقل بين أماكن مختلفة بحثًا عن الكهرباء أو شبكة إنترنت، بينما كانت مراكز النزوح تفتقر إلى الهدوء والخصوصية اللذين يحتاجهما أي باحث.

ورغم كل ذلك، لم تتوقف رحلتها العلمية، ففي الوقت الذي كانت فيه المدارس والمكتبات تتحول إلى ركام، تمكنت من الحفاظ على أطروحتها، ونشرت خلال الحرب بحثين علميين محكمين في مجلات أكاديمية، لتؤكد أن المعرفة قادرة على الصمود رغم كل محاولات طمسها.

وترى جميلة أبو شنب أن الحرب غيّرتها على المستوى الشخصي، وجعلتها أكثر اعتمادًا على نفسها وإيمانًا بقيمة العطاء، لكنها تركت في قلبها جرحًا لا يندمل.

وفي خضم هذه الرحلة، لا تنسى جميلة أبو شنب المواقف الإنسانية التي أحاطتها بها صديقاتها خلال الحرب، فبعضهن قدمن لها أدوات للكتابة، وأخريات عرضن عليها الإقامة معهن، وأخريات دعمنها نفسيًا.

وتقول: “لم أشعر يومًا أنني وحدي، وجود صديقاتي كان أحد أسباب نجاحي واستمراري”.

ومع إشراقة عام 2026، تُوجت الرحلة الشاقة بالانتصار؛ فنالت جميلة أبو شنب درجة الدكتوراه في مناهج وطرق تدريس الاجتماعيات، بعد رحلة امتدت بين النزوح والدمار، لتثبت أن العلم قادر على الانتصار حتى في أقسى الظروف.

واليوم، تتطلع جميلة أبو شنب إلى مستقبل تطمح فيه لتولي مواقع قيادية في مؤسسات التعليم العالي، والإسهام في تعزيز حضور المرأة في قيادة المؤسسات الأكاديمية.

وتؤكد: “أتمنى أن أصبح عميدة كلية، وربما وزيرة في المستقبل، وأن تتغير نظرة المجتمع تجاه المرأة الأكاديمية، وأن تحصل النساء على فرص عادلة للوصول إلى المراكز القيادية.”

وتوجه رسالة إلى النساء قائلة: “كل امرأة قادرة على الاستمرار يجب ألا تتوقف؛ لا تضعن العقبات أمام أحلامكن، فبالإرادة نصنع الحياة حتى من قلب الحرب.”

لم تكن قصة جميلة أبو شنب مجرد رحلة للحصول على درجة الدكتوراه، بل شهادة حية على أن الحرب قد تهدم البيوت والجامعات، لكنها تعجز عن هزيمة الفكرة، وبين رسالة طلبت نشرها إن استشهدت، ودكتوراة انتزعتها من قلب الركام، بقي الأثر الذي صنعه العلم حاضرًا.. أثرٌ لا يغيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى