من الركام إلى الأكاديمية.. د.إيمان حرز تنتصر للعلم رغم الحرب
من الركام إلى الأكاديمية.. د.إيمان حرز تنتصر للعلم رغم الحرب
غزة – أنغام الأسطل
“عندما كنت أُجبر على النزوح، لم أكن أحمل معي شيئًا يخصني سوى جهاز الحاسوب المحمول (اللاب توب)، فقد كان رفيق نجاتي الوحيد لاستكمال دراسة الدكتوراه وسط الحرب والدمار.”
بهذه الكلمات تختصر الدكتورة إيمان حرز رحلة استثنائية خاضتها خلال الحرب، وهي تتنقل بين البيوت المتضررة ومراكز الإيواء بحثًا عن مأوى يؤويها ويحفظ معها جهازها الشخصي، الذي مثّل نافذتها الوحيدة لمواصلة رحلتها الأكاديمية في واحدة من أصعب المراحل التي شهدها قطاع غزة.
في كل نزوح جديد كانت الدكتورة إيمان حرز تجمع ما تبقى من مقتنياتها القليلة، لكن جهاز الحاسوب المحمول كان دائمًا أول ما تحرص على حمله، لأنه كان الوسيلة الوحيدة التي تربطها بحلم عملت سنوات طويلة من أجل تحقيقه.
تقول دكتورة إيمان حرز: “لم أتخيل يومًا أن طريقي نحو شهادة الدكتوراه سيكون مليئًا بالنزوح والمجاعة وفقدان الأقارب.”
بدأت رحلتها نحو الدكتوراه قبل سنوات من اندلاع الحرب، واضعة هدفًا واضحًا أمامها. أمضت سنوات تتابع إعلانات المنح الدراسية، وتُعد المقترحات البحثية، وتتقدم لكل فرصة يمكن أن تفتح لها أبواب الدراسات العليا، معتمدة على اجتهادها الشخصي ومتابعتها المستمرة لمواقع التعليم والمجموعات المتخصصة بالمنح الخارجية.
وحصلت على عدة موافقات أكاديمية ضمن منح مختلفة، من بينها منح في هنغاريا وتونس، قبل أن تستقر على منحة البنك الإسلامي للتنمية في جدة في المملكة العربية السعودية لدراسة الدكتوراه ضمن البرنامج المشترك بين جامعتي الأزهر والإسلامية. وفي الوقت نفسه، كانت تتحمل مسؤولية إعالة أسرتها إلى جانب عملها الأكاديمي.
وتستذكر تلك المرحلة قائلة: “في البداية وصلني اعتذار بعدم قبولي في المنحة، لأن بعض الإجراءات أُنجزت في الساعات الأخيرة قبل موعد التقديم. شعرت حينها أن سنوات الانتظار ذهبت سدى، لكنني تفاجأت عند إعلان أسماء المقبولين بأن اسمي كان ضمن القائمة.”
عاشت دكتورة إيمان حرز فترة طويلة من الترقب قبل حصولها على المنحة، ثم واجهت تحديًا جديدًا تمثل في الموازنة بين مسؤوليات العائلة والعمل والدراسة. وبرغم الضغوط، تمكنت من اجتياز المقررات الدراسية والامتحان الشامل بتفوق، وكانت تستعد للانتقال إلى مرحلة إعداد الأطروحة عندما اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تقول: “كانت حربًا على العلم، من المهد حتى الدكتوراة”، ومع اتساع رقعة الدمار، وجدت نفسها أمام واقع قاسٍ لم يفرق بين طالب أو معلم أو أكاديمي. فقدت أقارب وأحبة، وعاشت مع أسرتها سلسلة من النزوح المتكرر، كما مرت بتجربة حصار عسكري استمر ساعات طويلة شعرت خلالها أن فرص النجاة تكاد تكون معدومة.
وتضيف: “لا أحد يستطيع أن يتخيل كيف يمكن لعين أن تبكي وأخرى تقرأ،” لم تقتصر المعاناة على الخوف والنزوح، بل امتدت إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية. فمع شح الغذاء والمياه، تحولت أبسط مقومات العيش إلى معركة يومية.
وتروي: “لم يكن لدينا مأوى ولا ماء ولا طعام، وكنا نقضي أيامًا طويلة نبحث عن ما يسد رمقنا أو يروي عطشنا، فيما كانت الدراسة تتطلب مني تركيزًا وصبرًا وسط واقع لا يترك للإنسان فرصة لالتقاط أنفاسه.”
ورغم قسوة تلك الظروف، لم تتخلَّ عن حلمها الأكاديمي، وواصلت العمل على رسالتها بإصرار، مؤمنة بأن العلم كان أحد أشكال الصمود في وجه الحرب.
وبعد أكثر من عام على اندلاع الحرب، واجهت تحديات إضافية بسبب توقف العملية التعليمية وسفر بعض المشرفين الأكاديميين، إضافة إلى الانقطاعات المتكررة للاتصالات والإنترنت.
وتقول: “كنت أقضي ساعات طويلة في الجمعية عند زميلتي التي استضافتني، أقف بجوار الشباك بحثًا عن إشارة إنترنت، فقط لأتمكن من تحميل كتاب أو محاضرة أو التواصل مع المشرفين، قبل أن أعود لاستكمال دراستي.”
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024 طلبت إدارة برنامج الدكتوراه من الطلبة تقديم عناوين أطروحاتهم، فاختارت عنوان رسالتها: “أثر حوكمة الشركات على تقلبات الأسهم: إدارة الأرباح متغيرًا معدِّلًا في الشركات غير المالية المدرجة في بورصتي فلسطين وعمان”.
وتتناول الرسالة العلاقة بين حوكمة الشركات واستقرار أسواق المال من خلال دراسة الشركات غير المالية المدرجة في بورصتي فلسطين والأردن.
وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه تمت الموافقة على عنوان الرسالة، لتبدأ مرحلة جديدة من التحدي. فالمشكلة لم تعد أكاديمية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالبحث عن الكهرباء والإنترنت والمراجع العلمية في بيئة دمرتها الحرب، وتقول: “كنت أخرج تحت أشعة الشمس الحارقة فقط لأرسل ملفًا أو أتلقى ملاحظات المشرف.”
وبعد شهور طويلة من العمل المتواصل، تمكنت في يوليو/تموز 2025 من تسليم أطروحتها، لكن ظروف الحرب لم تتوقف. ففي سبتمبر/أيلول من العام نفسه نزحت مجددًا مع أسرتها إلى دير البلح لمدة أسبوعين قبل أن تنتقل بين عدد من مراكز الإيواء.
ومع إعلان هدنة مؤقتة، عادت العائلة وهي تأمل بالاستقرار، لكنها فوجئت بأن منزلها قد دُمِّر بالكامل.
ورغم تلك الصدمة، واصلت استكمال متطلبات الرسالة العلمية، وأنجزت التعديلات المطلوبة، كما نجحت في نشر ورقة علمية مستقلة مستخلصة من الرسالة في مارس/آذار 2026، وتصف تلك اللحظة بقولها: “كانت بمثابة استعادة للروح بعد شهور طويلة من الإنهاك.”
وفي الثاني عشر من مايو/أيار 2026، وقفت دكتورة إيمان حرز أمام لجنة المناقشة لتتوج سنوات من الدراسة والمعاناة بالحصول على درجة دكتوراه الفلسفة في المحاسبة.
ولم يتوقف النجاح عند هذا الحد، إذ جرى تعيينها خلال العام نفسه محاضرة جامعية في الكلية الجامعية كما حصلت على مدرب مالي معتمد من أكاديمية “محاسب هوم” في نوفمبر 2025، لتصبح أول باحثة من الدفعة الثانية للبرنامج تنجز رسالة الدكتوراه في تخصص المحاسبة والإدارة.
وتنظر دكتورة إيمان حرز اليوم إلى رحلتها باعتبارها أكثر من مجرد إنجاز أكاديمي، بل تجربة إنسانية أثبتت أن التمسك بالعلم يمكن أن يكون وسيلة للصمود في مواجهة أقسى الظروف.
وتقول: “لم تكن الرسالة مجرد بحث علمي، بل كانت وسيلة للتمسك بالحياة. بين الجوع والخوف والنزوح وفقدان الأحبة، كان الإصرار على مواصلة الدراسة شكلًا من أشكال المقاومة والصمود.”
وفي وقت لا تزال فيه آثار الحرب تحيط بكل تفاصيل الحياة في غزة، تقف قصة دكتورة إيمان حرز شاهدًا على قدرة الإنسان على ملاحقة أحلامه رغم التهجير والدمار وفقدان الأحبة.
فبين أنقاض منزلها الذي دمرته الحرب، تقف اليوم حاملة شهادة الدكتوراه ومحاضرة جامعية، لتؤكد أن المعرفة قادرة على شق طريقها حتى وسط الركام، وأن التعليم حق إنساني لا ينبغي أن يتوقف تحت أي ظرف. وتأمل أن تولي المؤسسات العلمية والمعرفية والحقوقية اهتمامًا أكبر بالطلبة والأكاديميين خلال الحروب، وأن تضمن حقهم في الوصول إلى المراجع العلمية واستمرار العملية التعليمية، مؤكدة أن بناء المجتمعات يبدأ بالعلم والمعرفة لا بالدمار والحروب.