أ. لينا الريزي.. “المرأة الحديدية” تنتزع حلمها الأكاديمي بين النزوح والقصف
أ. لينا الريزي.. “المرأة الحديدية” تنتزع حلمها الأكاديمي بين النزوح والقصف
غزة- خديجة مطر
بينما كانت الأكاديمية لينا الريزي تنهي لمساتها الأخيرة على رسالة الماجستير في القانون الجنائي، كانت تتهيأ لخطوة أكبر في مسارها العلمي نحو الدكتوراه. لم تكن تدرك أن رحلتها الأكاديمية ستُختبر خارج قاعات الدراسة، في مدينة تحولت إلى ساحة حرب مفتوحة، حيث امتزج النزوح بالقصف، وتداخلت الحياة اليومية مع معركة البقاء.
تستهل لينا الريزي (46 عامًا) من شمال قطاع غزة حديثها قائلة: “تحولت حياتي من الاستقرار والعمل الأكاديمي إلى رحلة نزوح متكررة، أحمل فيها رسالتي العلمية كما أحمل همّ المأوى والطعام”. لم يعد حلمها البحثي منفصلًا عن واقع الحرب، بل صار جزءًا من تفاصيل يومها القاسي.
وتستعيد أيام السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين بدأت أصوات الانفجارات تقترب من منزلها في حي الرمال الجنوبي من قطاع غزة.
تقول: “المنطقة التي عُرفت بهدوئها تحولت فجأة إلى ساحة نار، وأصبح أطفالي يرددون: دعونا نرحل من هنا سالمين”. كان الخوف يتسلل إلى كل شيء، حتى التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية.
كانت لينا الريزي تقيم مع أسرتها في شقتها القريبة من دوار أبو مازن، وهي أم لأربعة أبناء، ومحاضرة في القانون وحقوق الإنسان، وموظفة في وزارة الصحة الفلسطينية، إلى جانب عملها في مجال العقارات. حياة بدت مستقرة، لكنها بدأت تتآكل تدريجيًا مع اتساع رقعة القصف وتوالي أوامر الإخلاء.
وتقول: “كان أطفالي يجهزون حقائبهم بأنفسهم، يضع كل واحد منهم ملابسه وكتبه وزيه المدرسي، ثم يتركونها في السيارة على أمل أن تنتهي الحرب قبل أن نغادر البيت”.
وبين تلك الحقائب المكدسة وأصوات القصف، كانت لينا الريزي تعيش سؤالًا لا يفارقها: ماذا تحمي أولًا؟ أسرتها، أم رسالتها العلمية، أم ما تبقى من استقرار حياتها؟
في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أُجبرت لينا الريزي على مغادرة منزلها متجهة إلى الزوايدة وسط قطاع غزة، لتبدأ رحلة نزوح جديدة حملت معها نقصًا حادًا في الأغطية والغذاء والعلاج، حتى أصيب أطفالها بأمراض جلدية، بينما وقفت عاجزة عن توفير الدواء لهم.
وتقول: “كانت الحياة هناك أقرب إلى النجاة اليومية منها إلى العيش الطبيعي.”
وبعد أسبوعين فقط، عادت العائلة إلى منزلها مع هدوء نسبي، لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. فقد تعرض البرج السكني لاستهداف مباشر في الطابقين الرابع عشر والخامس عشر، بينما كانت لينا الريزي وزوجها وأطفالها يفترشون صالون شقتهم في الطابق العاشر. في لحظات، تحول المنزل الذي احتموا به إلى مكان يهدد حياتهم، لتبدأ رحلة نزوح جديدة.
خرجت الأسرة بأرواحها فقط، تاركة خلفها جهاز الحاسوب الذي احتوى على رسالة الماجستير، إلى جانب قطط الأطفال وعصافيرهم. كانت الأقفاص مفتوحة، لكن العصافير لم تغادرها، وكأنها وجدت في القفص أمانًا أكبر من حريةٍ أحاطها القصف. أما القطط، فقد بقيت متسمرة في أماكنها، مذهولة من الرعب الذي اجتاح الحي الهادئ، وكأن الخوف سلبها حتى غريزة الهرب.
وفي لحظة مفصلية، اتخذت لينا الريزي قرارًا بالمخاطرة، فقادت سيارتها وعادت وحدها إلى منزلها، عابرة طرقًا غير آمنة وتحت تهديد القصف، في محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من سنوات عمرها.
وتصف تلك الرحلة بقولها: “كانت أقرب إلى المغامرة أو الانتحار، لكنني كنت أريد إنقاذ رسالتي العلمية، وبعض الأدوية التي لم تكن متوفرة حتى في المستشفيات، إلى جانب ما خف حمله من الأغطية والفرش.”
ونجحت في العودة بجهاز الحاسوب الذي احتوى على رسالتها العلمية، وما استطاعت حمله من احتياجات أسرتها، لكنها عادت مثقلة بالخوف أكثر من أي وقت مضى، بعدما أدركت أن كل خطوة نحو البيت قد تكون الأخيرة.
لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ انتقلت العائلة لاحقًا إلى رفح، ثم وجدت نفسها بلا مأوى سوى سيارتها الخاصة، التي تحولت إلى مساحة معيشة كاملة.
تقول لينا الريزي: “السيارة أصبحت غرفة نوم ومطبخاً ومكاناً للدراسة في الوقت نفسه”. كان أبسط تفاصيل الحياة، مثل استخدام الحمام، يتطلب ساعات من الانتظار في ظروف قاسية.
وتصف تلك المرحلة بمرارة: “لم أكن أتخيل يوماً أن أصل إلى هذا الوضع، وأنا التي أمتلك عقارات وأعيش حياة مستقرة سابقاً”. ومع ذلك، استمر النزوح إثنا عشر مرة متتالية، من منطقة إلى أخرى، بحثاً عن قدر أقل من الخطر.
لاحقاً، استقرت العائلة في شقة مستأجرة بالطابق السادس في النصيرات، رغم افتقارها للمياه والكهرباء والأثاث، وارتفاع تكلفتها، تقول: “كان البقاء فيها أصعب من التفكير في العودة إلى العراء، رغم كل شيء”.
في خضم ذلك، واصلت لينا الريزي عملها على رسالتها العلمية، رغم انقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول إلى الإنترنت.
كانت تمشي أكثر من كيلومترين يومياً للوصول إلى مقهى يوفر اتصالاً بالشبكة، وتتناوب مع أطفالها على هاتف واحد لمتابعة التعليم الإلكتروني، في وقت تحولت فيه المدارس إلى مراكز إيواء أو دُمرت بالكامل.
وتوضح أن الخروج في تلك الظروف كان محفوفاً بالمخاطر: “الخوف من الاستهداف كان حاضراً في كل خطوة، لكن الخوف من ضياع سنوات البحث كان أكبر”.
ومع توقف العمل الأكاديمي وفقدان زوجها راتبه بالكامل حيث أصبح بلا عمل، أصبحت الأسرة تعتمد على دخل محدود، وهو دخلها الوظيفي التي تتقاضى 50% منه.
ورغم كل ذلك، ترى أن ما حققته لم يكن مجرد إنجاز أكاديمي، بل انتصار على واقع قاسٍ. تقول بابتسامة خفيفة: “إنه انتصار شخصي يتجاوز الورق والشهادة، لأنني استطعت أن أستمر رغم كل شيء”.
في 24 أبريل/نيسان 2025، ناقشت لينا الريزي رسالة الماجستير المعنونة: “الحماية الجزائية للحقوق العمالية في التشريعين الفلسطيني والكويتي” وهي الرسالة الأولى من نوعها التي تحدثت عن المعنى الحقيقي للحماية الجزائية وتناولت خلالها تشريعاً مغايراً عما تناوله الباحثين الفلسطينيين، في تجربة وصفتها بأنها تتويج لرحلة طويلة من الإرادة والعمل والصبر وسط الحرب.
واليوم، تستعد لبدء مرحلة الدكتوراة، رغم إدراكها أن آثار الحرب لم تنتهِ بعد، وأن ما خلفته يتجاوز الدمار المادي إلى ندوب اجتماعية ونفسية عميقة في المجتمع الفلسطيني.
وخلال الحرب، شاركت لينا الريزي أيضًا في أعمال تطوعية عبر مدرسة رودلف فلتر، بتقديم الدعم للأسر النازحة خلال فترات المجاعة، مؤكدة أن التكافل الإنساني كان أحد أهم ما تبقى من مظاهر الحياة.
وتختم حديثها قائلة: “الحرب أخذت منا الكثير، لكنها كشفت لنا قوة التكاتف وحب الحياة، وما زلت أؤمن أن المعرفة تجد طريقها حتى من قلب العتمة، وسأواصل رحلتي نحو الدكتوراه مهما كانت التحديات“.