أ.رجاء نشوان.. حين يصبح التعليم شكلا من أشكال النجاة
أ.رجاء نشوان.. حين يصبح التعليم شكلا من أشكال النجاة
غزة- دعاء حمودة:
لم يكن صباح السابع من أكتوبر 2023 صباحًا عاديًا في حياة رجاء نشوان، المعلمة والأكاديمية التي كرّست سنوات عمرها للتعليم. كانت تستعد للتوجه إلى مدرستها كالمعتاد، غير أن ساعات قليلة كانت كفيلة بقلب المشهد بالكامل؛ شوارع يملؤها الخوف، وأصوات قصف متلاحقة، وحياة تتغير فجأة إلى واقع لا يشبه ما قبله.
تستذكر رجاء نشوان ذلك اليوم بوصفه بداية لانكسار واسع طال تفاصيل الحياة اليومية، حيث لم يعد هناك ما يبدو ثابتًا. في تلك الليلة، طلبت من أطفالها أن يناموا بملابس الخروج، استعدادًا لأي طارئ، وكأن الحد الفاصل بين الحياة العادية والنجاة بات واهيًا للغاية. وبعد ساعات قليلة، استيقظت العائلة على أصوات الانفجارات، لتبدأ رحلة نزوح طويلة لم تكن في الحسبان.
غادرت الأسرة منزلها تحت أوامر إخلاء مفاجئة، كما فعلت آلاف العائلات. لم يكن هناك وقت للترتيب أو التفكير، فقط خروج سريع نحو المجهول. وتصف تلك اللحظة بقولها: “في تلك اللحظة لم نكن نفكر إلا في النجاة”.
تنقلت العائلة بين مدارس ومراكز إيواء مكتظة، حيث تلاشت مظاهر الحياة الطبيعية تدريجيًا. اكتظاظ شديد، انعدام خصوصية، نقص في الخدمات الأساسية، وخوف دائم لا يغادر المكان. في هذا الواقع، أصبحت تفاصيل الحياة اليومية عبئًا إضافيًا على النازحين، الذين يحاولون فقط الاستمرار.
وخلال الحرب، تلقت رجاء نشوان خبرًا صادمًا يفيد باستشهاد زوج شقيقتها وابنها، قبل أن يتبين لاحقًا أن الطفل نجا بعد نقله إلى مكان آمن. لحظة قصيرة بين الفقد والنجاة تصفها بأنها من تجسيد لهشاشة الحق في الحياة، حيث تتداخل الصدمة مع الأمل في آن واحد.
ومع استمرار الحرب، لم تعد المعاناة مرتبطة بالقصف وحده، بل امتدت إلى الغذاء والماء والكهرباء وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية. وتشير إلى أن الجوع لم يعد شعورًا عابرًا، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، يفرض إيقاعه على الناس دون استثناء.
فقدت العائلة منزلها، وتفرقت بين أماكن نزوح متعددة، ما عمّق الإحساس بانعدام الاستقرار. بالنسبة لرجاء نشوان، التي لطالما رأت في التعليم حجر الأساس في بناء الإنسان، كان انهيار البيئة التعليمية من أكثر المشاهد إيلامًا، ليس فقط لكونها معلمة، بل لأنها ترى في التعليم حقًا لا يمكن فصله عن الحياة.
ورغم ذلك، لم تتوقف عن أداء دورها. واصلت العمل مع النازحين، وساهمت في حصر العائلات المتضررة وتوثيق الحالات الإنسانية، إلى جانب دعم الأطفال والنساء وكبار السن داخل مراكز الإيواء. وتضيف: “لم أشعر أن دوري كمعلمة توقف، حتى في أصعب الظروف”.
لاحقًا، وجدت نفسها داخل مبنى الجامعة الإسلامية في غزة، الذي تحوّل من صرح أكاديمي إلى مركز إيواء بعد تعرضه لأضرار جسيمة. كان المشهد بالنسبة لها صادمًا، لكنه يعكس حجم التحولات التي فرضتها الحرب على التعليم والبنية المدنية في آن واحد.
ومع تكرار أوامر الإخلاء، اتخذت قرارًا بالغ الصعوبة بتوزيع أفراد أسرتها على أكثر من مكان، محاولة تقليل احتمال فقدانهم جميعًا في لحظة واحدة. وتصف ذلك القرار بأنه من أثقل ما واجهته، لكنه كان خيارًا فرضته الظروف القاسية.
في خضم هذا الواقع، انتقلت إلى مرحلة جديدة حين كُلّفت من إدارة المنطقة بإدارة مركز تعليمي، لتنتقل من معلمة وأكاديمية إلى مديرة مدرسة تقود تجربة تعليمية وسط الحرب والنزوح. “بدأنا من الصفر تقريبًا”، هكذا تلخص التجربة، مضيفة أن غياب البنية التحتية لم يمنعهم من محاولة استعادة التعليم بأي شكل ممكن.
من داخل خيام تعليمية أُقيمت في ظروف صعبة، عملت على تشكيل طاقم تعليمي واستقطاب الطلبة والمعلمين، في محاولة لإبقاء العملية التعليمية قائمة، ولو بالحد الأدنى. بالنسبة لها، كان استمرار التعليم وسيلة لحماية الأطفال من الانقطاع الكامل عن الحياة الدراسية.
كما استفادت من تدريبات قدمها مركز التنمية والإعلام المجتمعي في مجالات التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي، وسعت إلى توظيف هذه الأدوات في التخفيف من آثار الانهيار التعليمي، ومحاولة خلق مساحات بديلة للتعلم وسط الظروف القاسية.
وترى رجاء نشوان أن تجربتها ليست حالة فردية، بل جزء من تجربة أوسع تعيشها معلمات وأكاديميات فلسطينيات يواصلن أداء أدوارهن رغم فقدان الاستقرار والنزوح. وتؤكد أن هذا الاستمرار هو شكل من أشكال الصمود اليومي في وجه واقع يضغط على كل تفاصيل الحياة.
وتختتم حديثها قائلة: “التعليم بالنسبة لي لم يعد مجرد مهنة، بل وسيلة للنجاة”، وبينما تتواصل آثار الحرب في تفاصيل الحياة، تواصل رجاء نشوان عملها داخل الخيام التعليمية، مؤمنة بأن حصة واحدة قد تعيد لطفل شيئًا من الاستقرار، وأن التعليم قد يكون آخر ما يتبقى حين ينهار كل شيء.