أ.حنان علوان بعد 15 عاما.. أكاديمية فلسطينية تنتصر لحلم التعليم

أ.حنان علوان بعد 15 عاما.. أكاديمية فلسطينية تنتصر لحلم التعليم

أ.حنان علوان بعد 15 عاما.. أكاديمية فلسطينية تنتصر لحلم التعليم
#الحماية_حق #cdmcgaza

غزة – رنين القدرة

بعد خمسة عشر عامًا من الانتظار، جلست حنان علوان أمام شاشة الحاسوب تتأمل نتيجة الماجستير التي حملت كلمة “امتياز”. في تلك اللحظة، لم تستحضر سنوات الدراسة فقط، بل تذكرت طريقًا طويلًا من التأجيل والمسؤوليات والعقبات التي أخرت حلمها الأكاديمي، لكنها لم تنجح يومًا في إلغائه.

بدأت حنان علوان، خريجة الإرشاد النفسي والتوجيه التربوي، مسيرتها المهنية في العمل الجامعي عام 2005، حيث كرست سنوات طويلة لدعم الطلبة نفسيًا واجتماعيًا وأكاديميًا. وكانت تؤمن بأن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة داخل القاعات الدراسية، بل يمتد إلى بناء الإنسان ومساندته في مواجهة تحديات الحياة.

ومع تطور مسيرتها المهنية، ظل استكمال الدراسات العليا هدفًا حاضرًا في ذهنها. إلا أن مسؤوليات العمل والأسرة كانت تؤجل هذا الحلم عامًا بعد آخر.

تتذكر تلك السنوات قائلة إنها كانت تتابع زميلاتها وهن يواصلن دراساتهن العليا، بينما تعود هي إلى منزلها محملة بالتزامات العمل والأسرة. وكانت تضع كتب الدراسات العليا على رف قريب من مكتبها، وتعد نفسها بأن يأتي دورها قريبًا، لكن الظروف كانت تسبق أحلامها في كل مرة.

ورغم سنوات التأجيل، لم تتخلَّ عن حلمها؛ وبدعم من والدها الراحل وزوجها وأبنائها، اتخذت قرار العودة إلى مقاعد الدراسة، فالتحقت ببرنامج الماجستير عام 2018، لتبدأ رحلة جديدة جمعت بين العمل والأسرة والتحصيل العلمي.

خلال تلك الفترة، كانت تحاول الموازنة بين مسؤولياتها المختلفة. وفي كثير من الليالي كانت تنتظر هدوء المنزل بعد منتصف الليل، تعد كوبًا من القهوة، وتجلس أمام حاسوبها لمراجعة المراجع العلمية وإنجاز متطلبات الدراسة. وبينما يخلد الجميع إلى النوم، كانت تبدأ هي ساعات جديدة من العمل الأكاديمي.

وأثمرت سنوات الجهد والمثابرة عن حصولها على درجة الماجستير عام 2021 بمعدل امتياز وتقول إن لحظة إعلان النتيجة كانت من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياتها، إذ شعرت أن سنوات الانتظار الطويلة اختصرت في لحظة واحدة، وأن الأحلام المؤجلة يمكن أن تتحقق مهما طال الزمن.

لكن التحديات لم تتوقف عند هذا الحد، فمع اندلاع الحرب على قطاع غزة، وجدت نفسها أمام واقع مختلف فرضته ظروف النزوح والدمار على الأكاديميين الفلسطينيين. وخلال أشهر الحرب، نزحت مع أسرتها خمس عشرة مرة بحثًا عن الأمان، متنقلة من مكان إلى آخر وسط ظروف إنسانية قاسية وانعدام كامل للاستقرار.

ورغم ذلك، لم تتخلَّ عن رسالتها المهنية والإنسانية. فبحكم تخصصها في الإرشاد النفسي، حاولت تقديم الدعم النفسي لمن حولها في أماكن النزوح، مستمعة إلى مخاوفهم وهمومهم، ومساندة من يحتاج إلى كلمة تطمئن قلبه في ظل الخوف والقلق المستمرين.

كما عايشت المجاعة التي شهدتها مناطق شمال غزة، حيث تحول الحصول على الغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية إلى تحدٍ يومي فرض نفسه على تفاصيل الحياة كافة، بما في ذلك العمل والتخطيط للمستقبل.

وكان من أصعب المواقف التي مرت بها انقطاع الاتصالات بشكل كامل عن شمال غزة لعدة أيام، بينما كانت هناك مع زوجها وأبنائها، في حين نزح بقية أفراد عائلتها إلى الجنوب. وخلال تلك الفترة، عاشت عائلتها حالة من القلق والخوف بعد فقدان الاتصال بها، وظن بعضهم أنها وعائلتها استشهدوا. وبعد أيام من الانتظار والترقب، تمكنوا أخيرًا من إجراء اتصال قصير أكد أنهم ما زالوا على قيد الحياة.

ولم تقتصر الخسائر على المعاناة الإنسانية. فخلال قصف منزلها، فقدت حاسوبها الشخصي الذي كان يحتوي على ملفات وأبحاث ومراجع علمية جمعتها استعدادًا لمشروع الدكتوراه الذي كانت تأمل البدء به. وبين ليلة وضحاها، ضاع جزء كبير من الجهد العلمي الذي راكمته على مدار سنوات.

وتقول إن الحرب لم تؤثر فقط على تفاصيل الحياة اليومية، بل طالت المسار الأكاديمي والمهني للكثير من الأكاديميين والأكاديميات، وفرضت تحديات جديدة تتعلق باستكمال التعليم والتطوير المهني ومواصلة البحث العلمي.

ورغم كل ما مرت به، ما زالت تتمسك بحلم الحصول على درجة الدكتوراه. فالعائق اليوم لم يعد أكاديميًا، بل يرتبط بالظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب وما خلفته من أعباء ثقيلة على حياة آلاف الأسر الفلسطينية.

وبالنسبة لـحنان علوان، لا تختصر قصتها في شهادة ماجستير حصلت عليها بعد سنوات من الانتظار، بل في رحلة طويلة من الإصرار على التمسك بحقها في التعليم والمعرفة، والاستمرار في العطاء رغم الظروف القاسية.

وبين حلم استغرق خمسة عشر عامًا حتى تحقق، وحلم آخر ما زال ينتظر فرصته، تواصل السير مؤمنة بأن المعرفة قادرة على تجاوز آثار الحرب، وأن ما يبنيه العلم لا تستطيع الحروب محوه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى