بين النزوح والدراسة.. أ.صابرين تواصل حلمها

بين النزوح والدراسة.. أ.صابرين تواصل حلمها

بين النزوح والدراسة.. أ.صابرين تواصل حلمها
#الحماية_حق #cdmcgaza

غزة- سهاد الربايعة

لم تكن صابرين نبهان تخشى فقدان منزلها فقط، بل كانت تخشى أيضًا أن تفقد حلمًا انتظرته طويلًا. فبعد أشهر قليلة من تخرجها الأولى على دفعة تخصص التاريخ وأساليب التدريس في جامعة الأقصى عام 2023، وجدت نفسها أمام حرب قلبت حياتها رأسًا على عقب، وهددت حلمها باستكمال الدراسات العليا.

وبين النزوح المتكرر وفقدان الاستقرار وانقطاع سبل التعليم، تمسكت صابرين نبهان بحقها في مواصلة دراستها، رافضة أن تتحول الحرب إلى نهاية لطموحها الأكاديمي. وبينما كانت تبحث عن مكان آمن لأسرتها، كانت تبحث أيضًا عن فرصة تبقيها قريبة من حلم الماجستير الذي آمنت بأنه يستحق كل هذا الصمود.

لم تكن الحرب بالنسبة لصابرين نبهان (24 عامًا) مجرد تجربة نزوح وفقدان منزل، بل معركة يومية للحفاظ على أحد أبسط الحقوق الإنسانية: الحق في التعليم. وجدت نفسها بعد أشهر قليلة من التخرج أمام خطر ضياع حلم آخر طالما سعت إليه، وهو الحصول على درجة الماجستير.

عندما التحقت صابرين نبهان ببرنامج الماجستير، شعرت أنها تخطو أولى خطواتها نحو مستقبل رسمته بحب وشغف، لكن اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 قلب حياتها رأسًا على عقب. اضطرت وعائلتها للنزوح من منطقة الزهراء، متنقلة بين مناطق مختلفة في جنوب القطاع نحو اثنتي عشرة مرة، وسط ظروف قاسية اتسمت بفقدان الأمان وانعدام الاستقرار.

وتقول صابرين نبهان: “كان دخولي الماجستير من أجمل أحلامي، وعندما توقفت الدراسة شعرت أن حلمي بدأ يتلاشى. لم نكن نعرف إلى أين سنذهب أو ماذا سيحدث لنا، لكن فكرة استكمال الدراسة لم تغادرني يومًا”.

خلال أشهر الحرب الطويلة، واجهت صابرين نبهان ظروفًا حرمتها من أبسط مقومات التعليم؛ فلا كهرباء منتظمة، ولا إنترنت مستقر، ولا منزل يوفر بيئة مناسبة للدراسة. ومع ذلك بقي حلمها حاضرًا، وعندما أُتيحت فرصة استئناف الدراسة، سارعت إلى العودة إلى مقاعد الدراسة حتى وإن كان ذلك إلكترونيًا.

ولم تقتصر تجربتها على كونها طالبة تسعى لإنقاذ مستقبلها الأكاديمي، بل شاركت أيضًا في التعليم داخل الخيام التعليمية التي أقيمت للطلبة النازحين. وهناك شاهدت صورًا جسدت معنى التمسك بالحق في التعليم رغم الحرب.

وتروي: “رأيت أطفالًا يجلسون على الأرض ويكتبون على قطع من الكرتون بسبب نقص القرطاسية وعدم توفر المقاعد، وشاهدت طلابًا حفاة يأتون إلى الخيام التعليمية فقط لحضور الدروس. كانت ملابس كثير منهم بسيطة وحالتهم صعبة، لكنهم تمسكوا بحقهم في التعلم رغم كل شيء، وهذا المشهد منحني دافعًا أكبر للاستمرار”.

وخلال الحرب تعرض قطاع التعليم في غزة لدمار واسع طال الجامعات والمدارس والمكتبات، ما أثر بشكل مباشر على قدرة الطلبة على الوصول إلى مصادر المعرفة. وبالنسبة لصابرين نبهان، شكل تدمير الجامعات والمكتبات عقبة إضافية أمام استكمال أبحاثها وكتابة رسالة الماجستير.

وتوضح: “أصبحت أُنجز أبحاثي الجامعية من خلال الهاتف المحمول بعد أن فقدت جهاز الحاسوب الخاص بي. عملية شحن الهاتف أو العثور على إنترنت أصبحت مهمة شاقة بحد ذاتها، كما أن تدمير المكتبات حرمنا من المراجع والكتب المتخصصة”.

وتضيف أن كثيرًا من قواعد البيانات والمكتبات الإلكترونية أصبحت خارج المتناول بسبب تعطل المؤسسات أو صعوبة الاشتراكات، في وقت استنزفت فيه الحرب موارد العائلات التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وعلى المستوى النفسي، تركت الحرب آثارًا عميقة في حياتها، إذ واجهت مشاعر الخوف والضياع وعدم الأمان، وبكت كثيرًا على فقدان منزلها وأقاربها وزملائها، وعلى احتمال ضياع حلمها الأكاديمي.

وتقول: “كنت أخاف أن يضيع حلمي. شعرت بضغوط نفسية كبيرة وتفكير مستمر في كيفية الاستمرار، لكن حب العلم كان ينتصر في كل مرة”.

ورغم هذه التحديات، وجدت صابرين نبهان سندًا قويًا في عائلتها التي واصلت تشجيعها وإقناعها بأن العودة إلى الدراسة ممكنة مهما كانت الظروف.

وتؤكد: “الأهل كانوا الداعم الأكبر لي. كانوا يطمئنونني دائمًا بأنني سأعود لاستكمال دراستي، ووجودهم منحني القوة للاستمرار”.

وفي ظل ما عاشته، اختارت صابرين نبهان أن تجعل من الدراسة وسيلة للصمود.

وتقول: “كنت أحيانًا أفكر أنه إذا انتهت حياتي قبل أن أكمل الماجستير، فأنا على الأقل قضيت وقتي في شيء أحبه”. وتضيف أن هذه الفكرة كانت تدفعها للاستمرار رغم الخوف وعدم اليقين.

وتختتم رسالتها بالقول: “شعب غزة قادر على تجاوز العقبات. كثير من الفتيات تمسكن بحلم الدراسة وعدن بقوة رغم كل الصعوبات. نحن مستمرون رغم كل ما تعرضنا له، لأن التعليم حق لا يمكن التنازل عنه”.

ولا تختصر قصة صابرين نبهان في رحلة طالبة تسعى للحصول على شهادة أكاديمية، بل تعكس إصرار جيل كامل من الطلبة الفلسطينيين على التمسك بحقهم في التعليم رغم الحرب والنزوح والدمار.

 وبين خيمة نزوح وقاعة افتراضية للدراسة، تواصل صابرين نبهان السير نحو حلمها، مؤمنة بأن المعرفة قادرة على فتح طريق للمستقبل حتى في أكثر الأوقات قسوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى