حكايات نساء غيّرت الحرب أجسادهن ولم تكسر قلوبهن

ترنيم خاطر
في غزة، لم تغيّر الحرب شكل المدن فقط، بل أعادت تشكيل حياة الأمهات من جذورها، ففي لحظة واحدة، انتقلت نساء من موقع العطاء إلى موقع الاحتياج، الأيدي التي كانت تمسح الدموع صارت عاجزة عن الحركة، والأجساد التي كانت مصدر أمان أصبحت تبحث عمّن يسندها، فلم يكن الألم في الإصابة وحدها، بل في انقلاب الدور نفسه، أن تتحول الأم فجأة إلى من يحتاج الرعاية، ذلك جرح لا تُظهره الأشعة ولا تلتقطه الصور، ومعركة جديدة لاستعادة المعنى، واستعادة الحق في أن تبقى أمًا، حتى وهي تتعلم من جديد كيف تعيش.
إخلاص الطويل… حين تصبح الطفلة سند أمها
لم تكن إخلاص الطويل (32 عامًا) تختلف عن آلاف الأمهات في غزة، فهي أم لخمسة أطفال — ابنتان وثلاثة أبناء — وكانت تقيس أيامها بأصواتهم. كانت تُعرّف نفسها من خلال قدرتها على رعايتهم وسط حرب لا تهدأ، وتجعل من رعايتهم هدفًا لحياتها اليومية.
فبعد أن دمّر الاحتلال منزلها بشكل كلي، اضطرت إخلاص مع أسرتها للجوء إلى بيت مهدوم جزئيًا في دير البلح وسط قطاع غزة، المكان كان مغطى بالشوادر والنايلون، يصلح بالكاد للسكن، ورغم هشاشته، بقي هذا البيت الملاذ الأخير لهم، المكان الوحيد الذي شعرت فيه بالأمان ولو قليلًا وسط الخراب.
في صباح اليوم الثاني عشر من ديسمبر 2025، وعند الساعة العاشرة تقريبًا، كانت تجلس على عتبة الغرفة، وأطفالها حولها، وزوجها يجلس أمامها، حينها سقط عمود باطون على ظهرها فجأة.
تتذكر قائلة:”وجهي كان في الأرض، وما كنت عارفة شو بصير، شعرت بذعر وألم شديد، حاول زوجي رفع العمود عني، لكن لحظة سقوطه كانت كافية لأشعر أن الجزء السفلي من جسمي اختفى، فمن اللحظة الأولى شعرت أنني مشلولة، ولم أعد أحس في رجليّ”.
نُقلت على الفور إلى مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع، وهي تعاني ألمًا لا يوصف، خضعت لعملية جراحية، وأظهرت الفحوصات والأشعة وجود كسر في فقرات العمود الفقري، كانت النتيجة صادمة: شلل نصفي دائم وفقدان السيطرة على البول والبراز.
تصف اللحظة بحسرة:” لحظة كسرت عمري نصفين، قبل ساعات قليلة كنت واقفة على رجليّ، أتحرك بلا تعب، أركض خلف أطفالي وأدير شؤون بيتي، وفجأة صرت نائمة على ظهري، عاجزة عن الحركة، احتجت من يرفعني ويقلّبني ويعينني على أبسط تفاصيل يومي، تحولت من أم تسند الجميع إلى امرأة تبحث عمّن يسندها، وكأنني عدت طفلة صغيرة لا تقوى على شيء”.
تتنهد بعمق وتنظر إلى ابنتها الكبرى،: “وجدت نفسي بلا سند نسائي، فوالدتي وأخواتي اضطُررن للسفر بسبب الحرب، وأصبحت ابنتي، ذات الاثني عشر عامًا، أم لي، ترافقني خلال وجودي في المستشفى، تطعمني، تلبسني، تمشط شعري، تغسل أسناني، تساعدني في الوضوء، وتقلبني على جانبيّ في سرير المستشفى، أحيانًا أنظر إليها وأقول في قلبي: “ابنتي الصغيرة…صارت تشتكي من وجع في ظهرها”.
“بعد العملية، لم أنم أسبوعًا كاملًا، كنت في صدمة مستمرة، فقدت الكثير من وزني، وبقيت أبكي وأدعو الله أن يخفف عني ما اعيشه من وجع، كنت أتمنى الموت، ولا أظل عايشة بهذا الألم النفسي والجسدي”.
“أخضع الآن لتأهيل نفسي ووظيفي لأتعلم كيف أتنقل من مكان إلى آخر، كيف أرتدي ملابسي، كيف أتمكن من العناية بنفسي، لكن أكثر ما يؤلمني ليس جسدي فقط، بل أمومتي، فأطفالي يعيشون الآن مع والدهم وجدّتهم المسنّة، وأتابع أخبارهم عبر الهاتف، لما بشوفهم بحس إنهم كبروا فجأة، نفسي أحممهم، أمشط شعرهم، أدرسهم أغسل لهم بإيدي”.
“أطفالي لسه صغار ولسه بحاجتي، هم أصلاً مش عارفين وضعي الحالي، ولا عارفين شو يعنى الشلل، كل يلي بعرفوه أن “عمودًا وقع على ظهر ماما”، ومش قادرين يدركوا حجم ما التغير في حياتنا، أما أنا، بدرك تمامًا أن حياتي انقسمت إلى زمنين ما قبل العمود، وما بعده”.
وتؤكد اخلاص، حياة أولادي ومستقبلهم في ضياع، فمثلهم يفترض أنهم الآن يدرسون ويتابعون واجباتهم المدرسية، فقد كانوا من المتفوقين، لكن للأسف هذا الأمر صعب حالياً، فحياة غزة مرهقة ومتعبة بسبب تبعات الحرب، والمهام اليومية تحولت من روتين سهل وسريع إلى عبء كبير، فالطهي وتسخين الماء على الحطب مع عدم وجود غاز الطهي والكهرباء، وغسل الملابس على اليدين، أما زوجي ووالدته فيقضون يومهم كاملاً في تلك المهام وغيرها الكثير من المهام، وابنتي تتواجد معي بشكل دائم في المستشفى ولا مجال لديها للدراسة.
ورغم كل شيء، لا زلت أتمسك بهم، ولديّ أمل بأن يتحسن وضعي الصحي وأتمكن من القيام بدوري الطبيعي كأم، هم رأس مالي بالحياة، وهم السبب إني بطلع من اليأس، وعشانهم لازم أكون منيحة وقوية”، وتقول بحسرة:”الإمكانيات الطبية محدودة في غزة، وفي نقص في أجهزة التأهيل المتخصصة في غزة، نفسي أسافر وأتلقى علاج حقيقي يساعدني أرجع أقوى، وأقدر احتضن أطفالي دون ألم أو عجز.
ثم تصمت قليلًا وتختم:”هاي حياتي اليوم، أتعلم من جديد كيف أعيش، وأحاول أبقى أم، رغم إن دوري تغيّر بالكامل، ورغم إن بنتي الصغيرة صارت سندي الأول والأخير”.
نيبال الهسي… يدي غابت، لكن قلبي ما زال يحتضن ريتا
رغم اختلاف طبيعة الإصابة وتفاصيلها، يتكرر المشهد ذاته: أمّ كانت سندًا لبيتها، فأصبحت فجأة تبحث عمّن يسندها، ليتقاطع مع عشرات القصص المشابهة، نيبال الهسي (25 عامًا) متزوجة ولديّها طفلة صغيرة، في السنة الأخيرة من دراسة الترجمة بجامعة الأزهر، شابة محبة للحياة وأحلامها كبيرة، حتى جاءت قذيفة دبابة إسرائيلية لتقلب حياتها رأسًا على عقب في لحظة، وتتركها أمام واقع لم تتخيّله يومًا.
تقول بوجع لا يخف: “عندما اندلعت الحرب على غزة في السابع من أكتوبر كنت اسكن مع أهلي في بيتهم الذي يقع في جباليا شمال القطاع، وتزامن ذلك مع وجود زوجي في الداخل المحتل حيث تمكن بعد معاناة من الحصول على تصريح عمل، وبقينا صامدين في الشمال ولم ننزح إلى الجنوب رغم قسوة الظروف وصعوبتها، حتى اضطررت للنزوح والمخاطرة مع طفلتي “ريتا” عبر ما يسمى بالممر الأمن إلى الجنوب للحاق بزوجي الذي تم اعتقاله من قبل جيش الاحتلال وأبعاده إلى الجنوب”.
“أقمت مع زوجي في خيمة برفح جنوب القطاع، وكانت الأوضاع المعيشية قاسية للغاية خاصة أن طفلتي لم تتجاوز العامين، وبدأت لتوها تمشي، اضطررنا للنزوح من رفح بعد تهديد الاحتلال لاجتياح المنطقة، وحينها رفضت الإقامة في خيمة، وطلبت من زوجي البحث عن أي مكان باطون حتى لو غرفة واحدة”.
“استقريت مع زوجي في حاصل متواضع بمخيم البريج وسط القطاع، وفي الذكرى الأولى للحرب، وبينما كنت أجلس في هذا الحاصل، بدأت قذائف المدفعية تتساقط وبشكل عشوائي وكبير على المنطقة، رغم الهدوء النسبي الذي تتمتع به، وحينها طلب مني زوجي البقاء بالحاصل مع طفلتي، لاعتقاده أنه أمن بحكم أنه باطون”.
“جلست على السرير أحتضن ابنتي، وانا ارتجف رعبًا من صوت القذائف وأزيز الطائرات، حتى سقطت احدى القذائف وبشكل مباشر على المكان الذي أجلس به”.
استفاقت نيبال في مستشفى شهداء الأقصى، ولسانها يردد أين ريتا؟ أين ريتا؟، رغم ما أصابها من الآم وأوجاع، فقد بُترت ذراعيها، وأصيبت بشظايا في الكبد تطلبت التدخل الجراحي، وإصابة بالغة في الساق، وحروق في كافة أجزاء جسدها.
بقيت نيبال في المستشفى الأمريكي لمدة أربعين يوميًا، خضعت خلالها لعدد كبير من العمليات الجراحية لا تعلم عددها لكثرتها، حيث تكاد تكون بشكل شبه يومي.
تقول بألم:” فقدان اليدين جعل تفاصيل الحياة اليومية عبئًا ثقيلًا، فخلال فترة تواجدي بالمستشفى كنت عاجزة عن القيام بأي عمل، فلم يعد بمقدوري أن أبس ملابسي لوحدي، او أن أمشط شعري، أو أن اتناول طعامي وشرابي، وحتى دخولي الحمام كان مستحيلاً دون أي يرافقني أحد، كانت ومازالت من أصعب مراحل الحياة التي لم أتخيل يومًا أن أعيشها”.
“كانت سلفاتي يرافقنني ويقفن إلى جانبي في تلك الفترة، لكن الإحساس كان أثقل من الاحتمال، فجأة وجدت نفسي، بعد أن كنت مفعمة بالحياة والحركة، أعتمد على الآخرين في أبسط تفاصيل يومي، كل حركة بسيطة كانت عبئًا، وكل خطوة تحتاج إلى مساعدة”.
“ذلك التحوّل كسر شيئًا في داخلي؛ أصبحت سريعة الغضب، تستفزني الأمور الصغيرة، وأحيانًا أُخرج ألمي في كلمات قاسية تجاه من حاولوا مساعدتي، ومع ذلك، كانوا يتفهمون أن حدّتي لم تكن إلا انعكاسًا لوجعٍ أكبر وأعمق لا يراه أحد”.
“بعد خروجي من المستشفى أقمت في خيمة بمواصي خان يونس جنوب القطاع، وكانت بداية صدمتي عندما لم تتعرف ابنتي ريتا عليّ بسبب اصابتي والحروق التي غيرت ملامحي، حتى أنها كانت تخاف الاقتراب مني، وهو ما ضاعف ألمي النفسي إلى جانب ألمي الجسدي”.
في بداية إصابتي همس لي زوجي محاولًا أن يزرع في قلبي بعض الطمأنينة: “لن أتركك، سأكون يديكِ اللتين فقدتهما”، تعلّقتُ بوعده كما تتعلّق الغريقة بخشبة نجاة، واستعان بفتاة تساعدني في الطعام واللباس والعناية بريتا، غير أنّ الأيام الثقيلة كانت أقسى من الوعود؛ تبدّلت ملامح الصبر في عينيه، وتراجع تحمّله للمسؤوليات الجديدة التي فرضتها إعاقتي، حتى واجهني بطلب الانفصال، منهياً ما تبقّى من شعور بالأمان.
انتهى الزواج، فعادت مع طفلتها إلى بيت والدها بحثًا عن سندٍ يحميها في عجزها الجديد، ومع تجدّد الحرب وتفاقم الظروف، بقيت أنا في الشمال، وانتقلت ريتا للعيش مع والدها في الجنوب، وأصبحت نيبال تحتاج إلى من يرعاها، فكيف لها أن ترعى طفلتها وتنهض بدورها كأم؟ هكذا وجدت نفسها بعيدة عن ابنتها، تمضي أيامًا طويلة من دون أن تراها أو تضمّها إلى صدرها، ويلازمها خوف ثقيل من أن تُنتزع منها حضانتها بسبب إعاقتها.
“مش فقدان ذراعي كان أقسى شي واجهته، بل خوفي الكبير من خسارة ابنتي، وشعوري بالعجز أمام أبسط تفاصيل الأمومة، إطعامها، تمشيط شعرها، احتضانها مثل ما كنت أفعل، ومع كل هذا، لسه متمسكة بأمل واحد: إنه يجي يوم أرجع أقدر أحضن ريتا، حتى لو بذراعين اصطناعيتين، لسه الحمد لله قلبي ما فقد قدرته على الحب”.
“أتمنى أن أحصل على تحويلة للعلاج خارج غزة، لأركب أطرافًا صناعية تعيد لي بعض استقلاليتي، وتمكّنني من استعادة أمومتي كما كانت”.
رغم كل هذه المعاناة، ليست هذه هي القصص الوحيدة، فمنذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، أصيب نحو 167,376 شخصًا بجروح جسدية، وفق تقرير منظمة الصحة العالمية (WHO) في سبتمبر 2025.
من هؤلاء منهم حوالي 42,000 حالة تغيّر حياة المصابين بالكامل، أكثر من 5,000 شخص فقدوا أطرافهم، وأكثر من 22,000 أصيبوا في الذراعين والساقين، و2,000 في الحبل الشوكي، و1,300 في الدماغ، وأكثر من 3,300 حالة حروق كبرى.
كل رقم من هذه الإحصاءات يحمل وراءه قصة أم فقدت قدرتها على حضن طفلها، أو طفل حرم من رعاية أمه، تمامًا كما حدث مع نيبال وإخلاص.






