أمشي ولا أرى بين الركام والظلمة .. حكاية أمل الكفيفة التي تبحث عن النجاة

 امشي ولا أرى بين الركام والظلمة .. حكاية امل الكفيفة التي تبحث عن النجاة
#الحماية_حق #cdmcgaza

دير البلح- هبة أبو عقلين

“كنت أمشي حافية لا أرى شيئاً… فقط أسمع صوت الصراخ، القنابل، الزجاج تحت قدمي، وبناتي تصرخن: ماما انتبهي!” بهذه الكلمات استهلت أمل أبو طعيمة (أم ملك)، السيدة الكفيفة حديثها عن رحلة النزوح والمعاناة التي تمر بها منذ اندلاع الحرب  في ٧ اكتوبر ٢٠٢٣على قطاع غزة.

أمل أبوطعيمة الملقبة بأم ملك ، البالغة من العمر 51 عامًا، فقدت بصرها قبل سبع سنوات وهي في عمر الثالثة والأربعين نتيجة مرض في شبكية العين، عاشت مع زوجها أيمن النمروطي، وابنتيها ملك (16 عامًا) ولميس (14 عامًا)، في منزل متواضع بمنطقة جورة القرارة في مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة، رغم فقدانها البصر، كانت قد تأقلمت مع منزلها، تحفظ زواياه وحواجزه بحواسها، وتعتمد على ذاكرتها في التنقل داخله، إلا أن الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب كما قالت.

تسرد أمل بملامح أنهكها التعب:“حين أُجبرنا على مغادرة منزلنا، لجأنا أولًا إلى مدرسة القرارة ،ظننت أنّها ستكون مأوى آمنًا، لكنها كانت بداية لمعاناة قاسية، كوني لا أرى، لم أكن أستطيع التمييز إن كان الحمام نظيفًا أم لا، ولا إن كانت الطريق إليه آمنة، كثيرًا ما اصطدمت بالجدران والطاولات، وكنت أتعثر كلما تحركت، أصبت بالتهابات جلدية ونزلات معوية متكررة، وكل يوم كنت أستيقظ على وجع جديد في جسدي، ومع ذلك كنت أتماسك فقط من أجل ابنتَيّ”.

تتابع أمل بصوت مرتعش: “لاحقًا، ومع استمرار القصف الإسرائيلي على مدينة خانيونس، اضطررنا للنزوح إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة كانت الأكثر آمناً حينها ، نمنا بالعراء ،لم يكن هناك حمام، وكان الجميع يقضي حاجته في دلاء المياه، وأنا لا أرى ماذا أفعل أو كيف، كنت أبكي كثيرًا، لا من العجز فقط، بل لأنني شعرت للمرة الأولى أنني عبء على ابنتّي وقلبي كان يتمزق وأنا أسمع بكاءهما عليّ لعجزي أمامهم دون قضاء حاجتي”.

تضيف : ” اضطررنا للنزوح من رفح إلى مخيم النصيرات بعد أوامر الإخلاء المتكررة التي أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي لمدينة رفح ” 

ووفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد تسببت الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 في نزوح مئات الآلاف من سكان قطاع غزة داخليًا، نتيجة أوامر الإخلاء المتكررة والقصف المكثف الذي طال المناطق السكنية في قطاع غزة.

وفي 9 يونيو 2024، عندما اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مخيم النصيرات جوًا وبرًا وبحرًا، وقُتل أكثر من 200 شهيد حسب ما نقل عن مركز الاعلام الحكومي في غزة ، خرجت أمل من خيمتها وسط الجنون، كانت الطائرات تلقي القذائف من كل اتجاه، وهي تجري ولا تعرف إلى أين تسير، تسيل الدماء من قدميها وتتعثر بشظايا الزجاج، وابنتها ملك تصرخ: “ماما قزاز على الأرض”، لكنها لا ترى.

تتابع أمل بصوت مبحوح :“كنت أنزف من قدميّ دون أن أدري، أركض ولا أرى، وملَك ولميس تصرخان: “يما تعالي”،

لم أكن أعلم إن كنت أسير نحو الحياة أم إلى الموت، كل شيء حولي كان يصرخ… الطائرات، القذائف، صياح الناس، وصوت قلبي المرتجف، لم أكن أرى، بل أحاول أن أتحسس طريقي وسط الركام والزجاج، وكان الألم في كل خطوة، لكن خوفي على ابنتيّ جعلني أواصل الجري”.

تضيف بقلب مثقل: “كانت ابنتاي تمسكان بيديّ، ترتجفان وتبكيان وتحاولان إرشادي، لكنني لم أكن أعرف إلى أين أذهب ،كانوا يصرخون لي: “امشي بجانب الحيط!” لكنني لا أرى الحائط! كنت فقط جسدًا يتخبط، وعينين مغلقتين تبحثان عن ضوء وسط هذا الجحيم ،في تلك اللحظة، لم أكن كفيفة فقط كنت غريقة في عتمة الحرب”

اليوم، تعيش أمل في خيمة مهترئة بشارع النخيل في مدينة دير البلح ، لا تقيها حر الصيف ولا برد الشتاء، تتحدث كيف كانت تقف في طوابير التكية، تتدافع لتأمين الطعام لطفلتيها، ثم تعود إلى خيمتها مستندة على إحساسها فقط. قالت: “كنت أضع قدمًا واحدة، وأستشعر الطريق، ثم أتابع بالثانية… كنت أخاف أن أقع ” 

تتابع : “كنت أميز دوري في الطابور من صوت المرأة التي أمامي ، أخاف أن يتركوني وأبقى وحدي دون أن أشعر”.

إن ما تعرضت له أمل وعائلتها، وكل ما عاشته من تهجير قسري، وانعدام للخصوصية والكرامة الإنسانية، يشكّل انتهاكًا صارخًا لما نصّت عليه اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تؤكد في مادتها (49) على حظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المدنيين من المناطق المحتلة، كما تلزم الأطراف المتنازعة بتوفير الحماية والرعاية الخاصة للفئات الأشد ضعفًا، كالنساء وذوي الإعاقة،  وهذا حسب ما صدر عن القانون الدولي الإنساني.  

إن دفع أمل الكفيفة وأطفالها إلى التنقل بين الخيام، دون مأوى آمن، ودون رعاية صحية أو أدوات مساعدة، يُعد انتهاكًا مباشرًا لهذه الالتزامات الدولية، ويضع الاحتلال في دائرة الاتهام بارتكاب جرائم ترقى لمستوى جرائم الحرب، وهذا حسب ما صدر عن القانون الدولي الإنساني. 

لا تملك أمل العصا الخاصة لفاقدي البصر، ولا تملك الدواء الذي اعتادت عليه لعلاج الغدة الدرقية، وتعاني من ثلاثة غضاريف تالفة في ظهرها، العلاج الوحيد موجود خارج غزة، لكنها لا تستطيع الوصول إليه. تقول: “لم أعد أطلب إلا أن أُعالج… فقط أريد أن أعيش دون احراج دون تعب دون بكاء “.

أمل ليست وحدها ، فهناك الكثير ممن يعانون من قلة المستلزمات الطبية والادوية والأدوات اللازمة لذوي الاحتياجات الخاصة،  يقول سائد الكرنز، رئيس جمعية “نجوم الأمل لتمكين النساء ذوات الإعاقة”، إن الاحتلال يتعمد زيادة معاناة هذه الفئات بحرمانهم من المساعدات الطبية والمعدات والأدوات المساعدة، ويُقدّر أن أكثر من 80% من مراكز التأهيل في غزة خرجت عن الخدمة. 

ويؤكد الكرنز أن “عمليات التأهيل تُجرى الآن يدويًا، في ظروف لا إنسانية”، وأن آلاف النساء والرجال من ذوي الإعاقة ليسوا مجرد أرقام، بل قصص مأساة حقيقية تُسحق يوميًا في خيام النزوح أو الشوارع المحطمة.

ووفق وزارة الصحة في غزة، يعاني القطاع من نقص حاد في الأدوية الأساسية، خاصة أدوية الأمراض المزمنة، نتيجة إغلاق المعابر وصعوبة إدخال الإمدادات الطبية.

تختم أمل حديثها بصوت منكسر: “لم أعد أتحمل، لا أرى، ولا أتحرك بسهولة، بناتي هن سندي الوحيد… لا نطلب إلا الأمان والعلاج… لا أريد أن أموت هنا وأنا أنتظر أن يراني أحد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى