الحروق التي لا تُرى… والوجع الذي يتجاوز الصمت

أحمد أبو حليمة:
في أحد ممرات مستشفى الشفاء بمدينة غزة، يرقد علي (24 عامًا) بعد إصابته بحروق شديدة في جسده جراء القصف المستمر. وسط ضغط كبير ونقص شديد في الإمكانيات الطبية، يواصل الأطباء تقديم الإسعافات رغم الظروف الصعبة.
يقول علي بصوت متعب: “كنت أتمنى تكون اللي عشته مجرد حلم، لكن الحرب صارت واقعنا اليومي. الإصابة غيّرت حياتي، وكل شيء توقف فجأة.”
صديقه أنس (24 عامًا)، كهربائي من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وأحد أقرب أصدقاء علي يروي ما حدث قبل الحرب: “كان علي يعيش حياة بسيطة في حي الشجاعية كان يعمل نجارًا، ويقضي أغلب وقته معي. كنا نحلم معًا بفتح ورشة صغيرة نسميها ‘ورشة علي وأنس’، وببيت نعيش فيه حياتنا بهدوء ونفرح ضحكتنا وحلمنا الصغير.”
ويضيف أنس: “كنا قاعدين بالبيت، أنا وعلي وعائلاتنا، لما سمعنا الانفجار الكبير.”
في السابع من أكتوبر 2023، بدأت الحرب التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة يقول أنس: “هنا، انطفأت كل أحلامنا.”
القصف دمّر بيوتهم ومدارسهم، وفقدوا الأمان، واضطروا للنزوح من حيّ الشجاعية عدة مرات، قبل أن يسقط صاروخ قرب منزلهم ويشعل النار في المكان.
يصف علي اللحظات المرعبة: “كنت أركض وأنا أصرخ، أشوف النار تاكل جسمي، وكل شي حوالي دخان ولهيب صباح يوم الثلاثاء 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ”
ويتابع: “أنس حاول إنقاذي، جرّني من بين الركام، لكن شظية اخترقت ساقه. وقع على الأرض، والدم كان في كل مكان، وأنا كنت أحترق. لساعات طويلة، لم يتمكن أحد من الوصول إلينا بسبب القصف المتواصل. وحين وصلت الإسعاف أخيرًا، كنا نحن الاثنين على حافة الموت.”
منذ ذلك اليوم، أصبح المستشفى “بيتًا جديدًا” لعلي وأنس، يقول علي: “نخضع يوميًا لتنظيف الحروق بطرق مؤلمة، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. ما في علاج مناسب، ولا كريمات تعين الجرحى. بيغسلوا الجروح بمحلول بسيط، والوجع بيوصل للروح. نفسي أتعالج برة غزة، بس المعابر مغلقة من قبل الجيش الإسرائيلي، وما إلنا إلا الصبر.”
د. محمد زقوت، مدير عام المستشفيات في وزارة الصحة بغزة، يوضح: “هناك أكثر من 16,500 مريض من غزة بحاجة إلى علاج خارج القطاع لأن الإمكانيات الطبية هنا غير كافية لتغطية كافة الحالات الحرجة، وخاصة الجروح والحروق والإصابات المعقدة. العشرات يموتون أو تتدهور حالتهم بسبب الفرص المحدودة للخروج للعلاج.”
أما أنس، فقد أجبر الأطباء على بتر ساقه اليمنى لإنقاذ حياته، يقول بصوت متعب: “كنت أشتغل طول الوقت، والآن حتى المشي صار معركة. الألم النفسي أقسى من الوجع الجسدي، خصوصًا لما تعرف إنك فقدت رجلك مش بسبب الحرب بس، بسبب نقص العلاج. نعيش على المسكنات، وحياتنا تتدهور ببطء. الحصار أضعفنا من الداخل ولم يترك لنا أي فرصة لنعيش حياة طبيعية.”
الممرضة سارة أبو جزر (31 عامًا)، التي تتابع حالة علي وأنس منذ أسابيع، تقول بصوت يختنق بالتعب: “كل يوم نشاهد عشرات الحالات مثل علي وأنس: حروق، بتر، وإصابات خطيرة. نعمل بإمكانيات شبه معدومة، وأحيانًا نضطر لتقليل استخدام الشاش ليكفي لكل الجرحى
وتكمل قائلة: “الضغط كبير جدًا لأن معظم المستشفيات خرجت عن الخدمة بسبب نقص الأدوات الطبية والأدوية، والطاقم المتبقي يحاول إسعاف العدد الهائل من المرضى.”
وتضيف أبو جزر: “الطاقم الطبي يقاتل يوميًا لإنقاذ الأرواح رغم انقطاع الكهرباء وعدم توفر الأدوات والأدوية. أصعب اللحظات عندما ترى مريضًا يختنق أمامك، ولا تستطيع مساعدته بسبب نقص المعدات
يشير المحامي حسام الحداد من مركز الميزان لحقوق الإنسان إلى أن ما يحدث في غزة هو “انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة”،مشددًا على أن منع العلاج والسفر الطبي يمثل جريمة حرب بحق المدنيين.
ويضيف الحداد: “علي وأنس ليسا مجرد حالتين، هما صورة مصغرة من معاناة آلاف الجرحى المحاصرين بين الألم والانتظار.”
وزارة الصحة في غزة أعلنت نداءً عاجلًا في بيانها حيث اشارت إلى ان أكثر من 100 ألف جريح منذ بدء الحرب بحاجة ماسة للعلاج، بينهم 13 ألف حالة خطيرة لا يمكن علاجها داخل القطاع بسبب الحصار وإغلاق المعابر.
كما أوضحت في البيان :”المستشفيات تعمل بأقل من 30% من طاقتها بسبب نقص الأدوية وأدوات الإسعاف وانقطاع الكهرباء، بالإضافة إلى خروج العديد من المرافق الطبية عن الخدمة. الجرحى لا يملكون الوقت ولا القدرة على الانتظار… أنقذوا من تبقى على قيد الحياة.”






