بقدمٍ واحدة يواصلن رحلة التعافي جسدياً ونفسياً!

أماني شنينو_غزة
رغم وقف إطلاق النار، لا تزال تداعيات الحرب مستمرة في قصص نساء غزة اللواتي فقدن أطرافهن؛ إذ تشكل النساء والأطفال 69% من إجمالي الجرحى الذين بلغ عددهم أكثر من 171 ألفاً، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. وفي ظل انهيار المنظومة الصحية، تواجه المصابات بمفردهن تحديات “البتر” والعبء النفسي الثقيل، في رحلة شاقة نحو التعافي الصحي والنفسي.
حلم “الدكتورة”
” أنا ريفان جنينة وحلمي أن أًصبح دكتورة!” هذا ما عبرت عنه الطفلة ريفان 9 سنوات عندما سُألت عن حلمها، ثم سرحت طويلاً ولم تستطع التجاوب مع أسئلة المقابلة، وكأن الجواب حاضر في عقلها ولكن لا تستطيع التعبير عنه، ليُواصل والدها سعيد جنينة 32 عاماً الحديث عنها، يقول: “بعد سنوات من الانتظار، رزقني الله بريفان، لتأتي الحرب وتسرق منها طفولتها، في استهداف قام به الاحتلال بحي الدرج. بعد أن كانت تملأ البيت حركةً وحيوية، أصبحت أسيرة كرسي متحرك بعد رحلة وجع بدأت ببتر قدمها وانتهت بغيبوبة دامت 58 يوماً”
يتابع الأب بحرقة: “انقلبت حياتنا رأساً على عقب؛ ريفان التي كانت تستعد للصف الرابع، تعاني اليوم من تبعات الإصابة التي أثرت على ذاكرتها وقدرتها على الحركة وحدها، وباتت تعتمد عليّ في كل تفاصيل حياتها، حتى قضاء حاجتها. رغم كل هذا الألم، نحن الآن في انتظار فرصة لتركيب طرف صناعي وتلقي العلاج بالخارج”
فقد مزدوج
تجسد رجا النادي (43 عاماً) نموذجاً للتحدي والصمود؛ فبعد سنوات من رعاية أبنائها الأيتام، واجهت في نوفمبر 2023 استهدافاً أثناء نزوحها بـ “حي الزيتون” أدى لاستشهاد ابنتيها وبتر ساقها وفقدان منزلها. ورغم فداحة الفقد، رفضت رجا الاستسلام، مستمدةً قوتها من إصرارها على خدمة من تبقى من أبنائها، معتبرةً أن فقدان “القدم” لن يعيقها ما دام بإمكانها العمل بيديها.
تحديات اجتماعية
لم تقف تحديات رجا عند الإصابة، بل امتدت لانفصالها عن زوجها الثاني لتمضي في طريقها وحيدة معتمدة على إرادتها. وفي مركز الأطراف الصناعية، لا تبحث رجا عن وسيلة للمشي فحسب، بل عن استقلالية تامة؛ فهي تصر على قضاء حاجاتها وممارسة الرياضة بعكازيها، رافضةً نظرات الشفقة ومؤكدة أن “العجز الحقيقي هو عجز العقل لا الجسد”. وبذات شخصيتها “الحديدية” المعهودة_كما تصف نفسها_، تتمسك رجا بطرفها الصناعي كوسيلة لمواصلة حياتها بكبرياء، معتبرة إصابتها وسام شرف وفخر.
من العجز إلى الأمل
بينما كانت عائلتها نازحة في خيمة في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حوّل استهداف صاروخي في ديسمبر 2024 مسار حياة الشابة جنات معروف 20 عاماً من طالبة مقبلة على الحياة إلى مصابة تواجه تحديات جسدية ونفسية. لم تكن الإصابة مجرد وجع جسدي، بل كانت بفقدان والديها تحت الأنقاض، وانتهت ببتر كامل لقدمها اليمنى وإصابة في قدمها اليسرى.
عانت جنات على مدار أشهر من أوجاع جسدية بالغة، فبينما كان الأطباء يحاولون إنقاذ قدمها اليسرى عبر عمليات جراحية معقدة لزراعة العظم في منطقة “الكعب”، كانت هي تواجه واقعاً نفسياً قاسياً داخل مراكز الإيواء التي تفتقر للرعاية الصحية اللازمة والكافية، ظل حلم الحركة يراودها لاستعادة الأمل.
مؤخراً استطاعت جنات تمكنت عبر مركز الأطراف الصناعية، من تركيب طرف صناعي لقدمها المبتورة. تصف جنات اللحظات الأولى لوقوفها على قدميها بأنها “مزيج من الانتصار والألم”، حيث شعرت بسعادة لا توصف وهي تخطو أولى خطواتها بعد فترة طويلة من العجز والاعتماد على الآخرين.
تقول جنات: “شعرت بسعادة طفل صغير في أول خطوة لي، لكن تمنيت في تلك اللحظة لو كان والداي بجانبي، يمسكون بيدي ويسندونني كما فعلوا دائماً طوال حياتي”.
رغم استعادة قدرتها الحركية تقريباً، لا تزال جنات تواجه عقبات تتمثل في ضرورة استكمال العلاج الجراحي لقدمها الأخرى لضمان عدم تدهور حالتها. واستكمال دراستها الجامعية وتعويض ما فاتها.
واقع الإصابات والتأهيل الجسدي
يستقبل مركز الأطراف الصناعية نحو 260 حالة شهرياً، يمثل الشباب والرجال 80% منهم كمعيلين واجهوا عجزاً مفاجئاً، بينما تعاني النساء من ازدواجية الألم بين الإصابة ومسؤوليات الأمومة.
توضح أماني الحداد، رئيسة العلاج الطبيعي، أن رحلة التعافي تبدأ بـ 25 يوماً لالتئام الجرح، تليها مرحلة علاج طبيعي لقرابة الشهرين، ثم 10 أيام لتصنيع الطرف وشهور للتدريب عليه. ورغم هذه المدد، سجل الجرحى استجابة مذهلة بالمشي خلال 10 أيام فقط، مدفوعين بضرورة رعاية عائلاتهم في الخيام.
تحديات الميدان
تُشير الحداد إلى أن المركز يُواجه أزمة نقص حاد في المواد الخام بسبب إغلاق المعابر، مما جعل أطراف الأطفال والعلويّة “معدومة”، والسفلية تحت “الخط الأحمر”. كما تقلص الكادر الفني من 7 فنيين إلى 3 فقط. ميدانياً، تفتقر الخيام للتعقيم مما يهدد الجروح بالالتهاب، وتعيق الطرق المدمرة حركة الكراسي المتحركة، مما يضطر المصابين لاختصار زمن التأهيل “قسراً” لمواجهة أعباء النزوح.
المكابرة النفسية وأعراض الصدمة
تُشير الأخصائية تغريد قاسم إلى أن 65% من المصابين يمارسون “المكابرة”، بإظهار تماسك خارجي يخفي دماراً داخلياً وتساؤلات وجودية. وتظهر على النساء أعراض حادة تشمل الاكتئاب، فقدان اللذة، واضطرابات جسدية وذهانية نتيجة فقدان صورة الجسد وتدهور تقدير الذات.
أبجديات التعافي والتمكين
يعتمد البروتوكول النفسي (6-8 جلسات) على تقنيات “التكيف” والعلاج المعرفي السلوكي (CBT) لتغيير الأفكار السوداوية، بحسب الأخصائية قاسم.
وتؤكد على أن “الاحتواء الأسري” يمثل حاجة وضرورة لدى المصابين عموماً ولاسيما السيدات، وكذلك دعم الأزواج كعامل حاسم للتعافي السريع، بينما يمثل الدعم الاقتصادي والمشاريع الصغيرة وسيلة لاستعادة المصابات لمكانتهن كمنتجات لا كأعباء، مع التأكيد على دور “دعم الأقران” في خلق الأمل.






