
صحفيات غزة بين خطر الميدان وندوب لا تُرى
صحفيات غزة بين خطر الميدان وندوب لا تُرى
أزهار الكحلوت – غزة
في غزة، لا تنتهي الحرب عند لحظة التغطية، بل تبدأ بعدها بصمت ثقيل. خلف الكاميرا، تعيش الصحفيات تجربة مركبة، حيث يتداخل الواجب مع الصدمة، ويتحول العمل الصحفي من مهمة مهنية إلى اختبار يومي للبقاء. هذا الواقع يكشف أثرًا نفسيًا عميقًا يتشكل في ظل هشاشة منظومة السلامة المهنية وغياب الدعم النفسي الكافي من المؤسسات الإعلامية.
تقول الصحفية صفاء الحسنات إن الخوف لم يغادرها منذ لحظات القصف التي طالت محيط منزلها بينما كانت في الميدان: “كانت لحظات عصيبة… لم أستطع الاطمئنان على أطفالي بسهولة”. لم تعد المسافة بينها وبينهم مجرد بُعد، بل قلق دائم يرافقها في كل مهمة.
أما الصحفية صفاء الهبيل، فتصف حالة مختلفة من الصدمة، حيث فقدت الثقة بكل ما تلقته من تدريبات في السلامة المهنية. تقول: “ما عشناه في غزة يجعلنا نحن من نعلّم العالم كيف نبقى تحت هذا الضغط”. وتضيف أن التوتر أصبح حالة مستمرة لا تنتهي.
الصحفية نسرين الكرد واجهت الخطر بشكل مباشر، حين تعرضت لإطلاق نار أثناء تغطيتها قرب الحدود الشرقية دون أي معدات حماية. تقول: “كنت أعمل بلا خوذة أو سترة واقية”، في تجربة جعلت الخطر جزءًا من تفاصيل العمل اليومية.
وفي مستشفى شهداء الأقصى، تواصل الصحفية سماح شاهين عملها وسط ظروف قاسية، لكن آثار الحرب لم تتوقف عند حدود الميدان. تقول: “أصبحت أخاف من أبسط الأصوات، حتى صوت الطائرات”، في انعكاس لحالة القلق المستمر التي تلازمها.
تعكس هذه الشهادات واقعًا أوسع، حيث لا تكتفي الصحفيات بتغطية الحرب، بل يعشنها بكل تفاصيلها. تقول صفاء الحسنات: “الخطر لم يكن فقط في موقع التغطية، بل في العجز عن حماية العائلة”، ما ضاعف الضغط النفسي عليها.
وتشير صفاء الهبيل إلى أن غياب منظومة سلامة مهنية حقيقية جعل العمل مفتوحًا على كل الاحتمالات، مؤكدة أن حتى السترات الواقية لم تعد توفر حماية فعلية، واقتصر دورها على التعريف بهوية الصحفي.
وتستعيد الهبيل واحدة من أقسى اللحظات التي وثقتها، عند وصول شاحنة تحمل 85 شهيدًا من عائلة واحدة إلى المستشفى، حيث كانت الجثامين مكدسة فوق بعضها، في مشهد يفوق قدرة الإنسان على التحمل، وأصبح جزءًا من يوميات التغطية.
أما نسرين الكرد، فتوضح أن العمل دون معدات حماية لم يكن خيارًا، بل واقعًا مفروضًا، خاصة للصحفيات العاملات بشكل مستقل، ما جعلهن أكثر عرضة للخطر المباشر.
وتروي سماح شاهين كيف امتدت المعاناة إلى تفاصيل الحياة اليومية، خاصة في ظل المجاعة، إذ كانت تمتنع أحيانًا عن تناول الطعام لتوفيره لأبناء إخوتها، كما اضطرت إلى التوقف مؤقتًا عن العمل بسبب النزوح.
وتضيف أن واحدة من أقسى اللحظات كانت عندما وجدت نفسها قريبة من موقع استهداف مباشر، حيث أدركت هشاشة الفاصل بين الناجي والضحية، وهي لحظة لا تزال آثارها النفسية تلازمها حتى الآن.
في خضم هذه الظروف، يبرز غياب الدعم كأحد أبرز التحديات. تؤكد صفاء الحسنات أنها لم تتلقَّ تدريبًا على السلامة خلال الحرب، كما لم تتوفر لها معدات حماية. وتقول نسرين: “لم تكن هناك أي معدات، وكان هذا يؤرقني دائمًا”.
وترى صفاء الهبيل أن المشكلة لا تقتصر على نقص المعدات، بل تشمل غياب التدريب الملائم والدعم اللوجستي، من معدات تصوير ووسائل اتصال تساعد الصحفيين في عملهم اليومي.
وعلى مستوى المؤسسات، تبدو الاستجابة محدودة. تذكر نسرين أن التواصل اقتصر على رسائل اطمئنان، دون دعم فعلي، فيما تشير صفاء الحسنات إلى غياب الدعم النفسي المنظم.
هذا الغياب ترك آثارًا واضحة. تقول نسرين إنها بدأت تعاني من آلام في الصدر وتشنج في الكتفين وتوتر دائم، فيما تشير صفاء الحسنات إلى القلق والعصبية وصعوبة تحمل مشاهد جديدة من الدم والفقد.
ولا تتوقف الآثار عند لحظة التغطية. تصف نسرين حالتها بعد شهور من العمل: “أرق شديد، أحلام مزعجة، وصعوبة في التركيز”، مؤكدة أنها لم تعد قادرة على الاستمتاع بأي شيء.
وتؤكد صفاء الهبيل أن الضغط المتواصل لم يترك مساحة للتعبير أو التعافي، في ظل استمرار التغطية وغياب فترات الراحة الكافية للصحفيين.
ورغم ذلك، تحاول بعض الصحفيات البحث عن دعم، حيث لجأت صفاء الحسنات إلى جلسات دعم نفسي بعد التهدئة، في محاولة للتعامل مع التراكم النفسي الذي خلفته الحرب.
وبحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين، يعمل الصحفيون في قطاع غزة في بيئة شديدة الخطورة، مع تصاعد الاستهداف المباشر وغياب الحماية، ما يضعهم تحت ضغط نفسي ومهني مستمر.
ورغم كل ذلك، تستمر الصحفيات في العمل. تقول سماح شاهين: “الاستمرار واجب لنقل ما يحدث”، في تعبير عن التزام يتجاوز حدود المهنة. لكن هذا الاستمرار، رغم ضرورته، يطرح سؤالًا مفتوحًا:إلى متى يمكن للصحفية أن تصمد… قبل أن تنهار بصمت؟
انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.
ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.





