الطفولة في غزة تحولت إلى رحلة تشرد

 

الطفولة في غزة تحولت إلى رحلة تشرد
#الحماية_حق #cdmcgaza

خانيونس -دعاء برهوم

 

يُقلب الطفل عبدالله عابد (15عاماً) من حي الشجاعية شرق مدينة غزة صوراً لوالديه عبر الجوال، تسقط دمعة على صورة والدته الصحفية إسلام عابد، قائلاً ” كنت أخاف على امي تستشهد في عملها وتتركنا، لأن الصحفيين كانوا عرضة للاستهداف والقتل”.

يصمت قليلاً ” يوم الأحد 31أغسطس/ آب 2025 الساعة السابعة مساءً، تناولت طعام العشاء الأخير مع عائلتي، قبل أن  يقصف منزلنا فوق رؤوسنا ويستشهد والدي ووالدتي وشقيقي الأوسط منصور (12عام).

يضيف ” قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 كنا نحاط بعائلة تهتم بنا، تحمينا وتساندنا، تغيرت حياتنا بعد فقدانهم، اصبحنا نتنقل بين بيوت أعمامي وأخوالي في منطقة حيّ الرمال وسط مدينة غزة، لا استقرار ولا مأوى يجمعنا بعائلتنا التي فقدنا كل شيء جميل معها.

يجلس عبدالله بجوار شقيقه الأصغر أمير(6سنوات)،  يربت على كتفه بحنان يشبه عطف الأمهات قائلاً ” اتابع دروس أمير، واحرص على تلبية متطلباته،  محاولاً تعويضه عما فقد فهو الوحيد الذي بقي لي من عائلتي، نحن الاثنان سنداً لبعضنا بعد غياب السند الأساسي،  نواجه تحديات الحياة الصعبة التي نعيشها لوحدنا بالعلم واكتساب مهارات جديدة للهروب من التفكير بصدمة فقدان الأهل .

يستذكر عبدالله الأيام الآخيرة التي عاشها برفقة والديه، ووعودهم له بهدية ثمينة عند إتمام حفظ القرآن الكريم، وإلحاقه بنادي رياضي لممارسة هوايته المفضلة، لكن تحول كل شيء الى كابوس عندما خطف صاروخ إسرائيلي والديه وشقيقه .

خرج عبدالله من تحت ركام منزله المدمر، وجهه مغطى بالغبار وجبينه ينزف دماً، ملامحه تعكس الخوف محاولاً استيعاب ماحدث لعائلته، داخل سيارة الإسعاف لم يجد سوى شقيقه الأصغر يصرخ ويبكي رعباً،  في مجمع الشفاء الطبي الجميع حوله يحاولن تهدئته إلا والدته، أيقن أنها استشهدت.

يكمل :” والدتي كانت تعمل مراسلة قناة القدس اليوم الإخبارية، تنقل الأحداث الجارية في قطاع غزة، حتى أصبحت هي الحدث وتناقلته وسائل الإعلام”.

وحسب بيان المكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة  في 21يناير/ كانون الثاني 2026 أن عدد الشهداء الصحفيين وصل الى260 منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

انعدام الأمان 

ووفقاً لمركز الإحصاء الفلسطيني في أبريل / نيسان 2025 أن 17 ألف طفل حرموا من كلا الوالدين، ليكون هذا الرقم أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث”

تهمس الطفلة سما أبو طعيمة (9سنوات) من بلدة عبسان شرق مدينة خانيونس بصوت مجروح؟ ” منذ انفصال أمي قبل6 سنوات صار أبي الأم والأب معاً، يسعى لخدمتنا في البيت وخارجه، وعند ذهابي إلى المدرسة كان يُسرح ليّ شعري كل صباح، الآن لا أذهب إلى المدرسة، كل وقتي أقضيه في اللعب بين الخيام، فأمي قد تزوجت ولم نجد أحدا يساعدنا.

تُكمل بغصة في القلب ”   استشهد أبي في 23 سبتمبر/ أيلول 2025 عندما ذهب ليحضر لنا كيس طحين ليسد به جوعنا، بعد أن أصبحت بطوننا خاوية لا نستطيع المشي وفقدنا قدرتنا على الحركة.

بزفرات مكتومة ” ذهب والدي  إلى منطقة موراج الفاصلة بين مدينتي رفح وخانيونس ينتظر وصول شاحنات المساعدات للحصول على كيساً من الطحين وبعض المعلبات، لم تمهلهم طائرات الاحتلال  وقتاً لسد جوع أطفالهم، ألقت صاروخاً على مجموعة من المواطنين فعاد شهيداً محمولاً على الاكتاف.

تستذكر سما: أن والدها مصعب عجز عن شراء السلع لعائلته لارتفاع ثمنها نتيجة إغلاق الجيش الإسرائيلي المعابر في مارس /آذار 2025 ومنع دخول المساعدات، على اثرها شهد القطاع مجاعة وانعدام الأمن الغذائي، مما أُجبر على الذهاب إلى الموت لسد جوعهم .

ووفقاً لبيان وزارة الصحة في غزة الصادر في27أغسطس/آب 2025 فإن حصيلة ضحايا منتظري المساعدات منذ 27مايو/آيار2025، 2158 شهيداً وأكثر من15,843مصاباً. 

تسقط دمعة على وجنتها وتقول بصوت مرتجف ” ياريت ما راح وظلينا جعانين ولا نعيش بعده بهذا الوجع” بعد أبي كل شي تغير وماحدا مهتم فينا، جدتي كوثر كبيرة في العُمر بمعاناة تساعدنا في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

تُتابع ” عندما نعود إلى منطقة خزاعة شرقي مدينة خانيونس سنعود بلا آب أنا وإخوتي الخمسة،  نزحنا عدة مرات مع بعضنا بعد إصدار الجيش الاسرائيلي أوامر اخلاء قسري للمناطق التي صنفها آمنه وإجبارنا على تركها والانتقال إلى منطقة اخرى، ففي كل مرة ينصب والدي الخيمة من جديد، يتمنى أن يعود إلى أرضه، ووفقاً لبيان صادر عن المكتب الإعلام الحكومي في 8مايو/ آيار2025 فإن 1,9 مليون نازح منذ اندلاع الحرب.

وحسب  تصريح  وزارة التنمية الاجتماعية  الصادر في 18اكتوبر/ تشرين الأول 2025 أن الحرب الاسرائيلية على غزة أدت إلى ارتفاع عدد الأطفال الأيتام إلى 57ألف يتيم، بعدما فقد 40الف طفل أحد والديه او كليهما.

صدمة مركبة

يقول الدكتور ضياء أبو عون المختص في علم النفس:” إن الأطفال الذين فقدوا عائلتهم يتعرضون إلى صدمة مركبة مع انعدام شعورهم بالأمان لكل من حولهم، إلى جانب تغيرات في الوعي لديهم وتفكيرهم المستمر لماذا نحن نجونا.

أضاف ” أن فقدان العائلة يعكس بشكل سلبي على الاستقرار النفسي لدى الطفل، ويؤثر على سلوكه  فيصبح أكثر عدوانية، و يجعله يخاف من الظلام والوحدة في الليل، اضافة إلى تراجعه أحياناً في  تحصيله الدراسي وصعوبات في التعليم”

أشار د. أبو عون” الى عدد من الخطوات العلاجية للأطفال الذين فقدوا عوائلهم، كتوفير الأمان والاستقرار من قبل الأفراد المحيطين بهم، ومساعدتهم في بناء هوية جديدة بالتعبيرعن مشاعرهم وتطوير مهاراتهم ياللعب والرسم كأفضل طريقة للدعم النفسي .

سُلبت الحقوق

يقول يحيى أبو معمر (14عاماً) من مدينة خانيونس” دقيقة واحدة فصلتني عن الموت مع عائلتي، كنت ذاهب لشراء بعض الحاجيات لشقيقاتي الصغيرات، شاهدت الصاروخ وهو يسقط على منزلنا، فاستشهد والدي تميم الذي كان يعمل صحفياً في إذاعة صوت فلسطين، ووالدتي وشقيقتاتي الثلاثة في 9 أغسطس /آب 2024، ونجوت وشقيقي الأصغر عبد الرحمن(8 سنوات).

يضيف ” منذ استشهاد عائلتي تنقلت وشقيقي بين خيام نزوح  جدتي وعمي إبراهيم في مواصي خانيونس، يحاولون مساعدتنا كثيراً ويهتمون بنا وبتعليمنا وانتسابنا لمراكز تحفيظ القرآن  لكن لا بديل عن عائلتي، فالحرب سلبت كل حقوقي .

يشير يحيى وفي عينيه حزن كبير إلى  أمنية والده أن يتعلم ويصبح مهندس لكنها في ذهنه تبددت ويتمنى أن يلتحق بعائلته شهيداً، بعدما عاش الفقد والحرمان و الجوع الذي نهش جسده الصغير دون رحمة.

تبين فلسطين عابد المختصة في علم الاجتماع : أن أقرباء الطفل اليتم لا يقومون بتلبية احتياجاته كعائلته، لأنهم قد يفتقرون للقدرة المادية، أو الوعي باحتياجات الطفل النفسية، واحياناً نتيجة ضعف الشعور بالمسؤولية.

تُكمل: العائلة البديلة لا تستطيع تعويض الطفل عن ما فقد من حنان الأم وأمان الأب، فالكثير من الأطفال الأيتام  يعيشون حياة خالية من المشاعر، الذي يولد لديهم اضطربات نفسية كالقلق والخوف، وعدم الشعور بالأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى