حين تُدفن الأوراق تحت الركام: نساء غزة يواجهن حربًا خفية على هوياتهن القانونية

غزة- نغم كراجة
لم تقتصر آثار الحرب في غزة على تدمير المنازل والبنية التحتية بل امتدت لتطال ما هو أقل ظهورًا وأكثر خطورة: الوثائق القانونية التي تثبت هوية الناس وحقوقهم، فمع القصف والنزوح المتكرر، فقدت آلاف العائلات أوراقها الرسمية تحت الركام، لتبدأ معركة جديدة داخل المكاتب الحكومية والمحاكم.
وتجد النساء أنفسهن في قلب هذه الأزمة حيث يتحول غياب وثيقة واحدة إلى عائق أمام العلاج أو المساعدات أو حتى إثبات حق قانوني أساسي.
كان القصف الذي طال منزل آمينة الغول أم لخمسة أطفال (41 عامًا) مارس 2024 في حي الزيتون جنوب قطاع غزة لحظة فاصلة أنهت حياتها السابقة بكل تفاصيلها القانونية، خرجت مع أطفالها الثلاثة تحت ضغط التحذيرات، ولم تحمل معها سوى حقيبة صغيرة ظنت أنها تحتوي على أوراقها الأساسية قبل أن تكتشف لاحقًا أن الخزانة المعدنية التي تضم بطاقتها الشخصية، وعقد زواجها، وشهادات ميلاد أطفالها بقيت تحت الركام.
تقول آمنة إنها لم تدرك خطورة الأمر إلا عندما احتاج طفلها محمد ( ١٢ عام ) إلى اجراء تحويلة طبية بعد إصابته في عينه اليمنى في بداية يوليو 2024 وطُلب منها الهوية وشهادة ميلاد طفلها لإستكمال الإجراءات اللازمة في المستشفى ولم تكن تملك سوى صورة قديمة لبطاقتها على هاتفها، تعطلت معاملة طفلها لأسابيع حتى تمكنت بعد محاولات عديدة من اخراج نسخة شهادة ميلاد
وتوضح: ” كل إجراء كان يتوقف عند عبارة: أحضري المستند، كنت أشرح أن البيت دُمّر، وأنني لم أخرج إلا بأطفالي، شعرت أنني أبدأ من الصفر في كل مرة”.
في غرب خان يونس تعيش ابتسام أبو شمالة (52 عامًا) في خيمة قرب منطقة المواصي بعد نزوحها من بيت حانون شمال القطاع، وهي أرملة تعيل ابنتين، فقدت خلال قصف منزلها ملفًا كاملًا كان يحتوي على عقد تسجيل أرض زراعية ورثتها عن والدها، إضافة إلى أوراق حصر الإرث.
توضح أن الأرض كانت مصدر دخل موسمي تعتمد عليه الأسرة “العقد كان محفوظًا في ملف بلاستيكي داخل الخزانة في منزلها شمال القطاع بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ في 19 يناير عدت أبحث بين الركام لكن لم أعثر على شيء”.
وتشير إلى أن الأرض تقع اليوم في منطقة جُرفت معالمها بالكامل، ما يجعل تحديد حدودها مسألة معقدة حتى لو توفرت وثائق، حاولت مراجعة الجهات المختصة لاستخراج بدل فاقد، لكنها اصطدمت بإجراءات طويلة، وبحاجة إلى إثباتات إضافية وشهادات ورثة في وقت يصعب فيه التنقل بين المحافظات.
وتقول ابتسام: “أخشى أن يأتي يوم تُفتح فيه ملفات التعويض أو إعادة الإعمار، ولا أملك ما يثبت حقي. الأرض مسجلة، نعم، لكن الورق الذي يربطني بها لم يعد موجودًا”
ميساء الديري (33 عامًا) من رفح، نزحت إلى دير البلح بعد الاجتياح البري المفاجىء في نهاية يونيو 2024 فاضطرت للنزوح مسرعة بدون تفكير، وبعد فترة قصيرة جاءها خبر تدمير الحي الذي تعيش به بعدة غارات لكنها لم تفقد منزلها فقط أيضاً فقدت الملف الذي كانت تحتفظ فيه بهويتها وعقد طلاقها وحكم المحكمة الشرعية الذي يثبت انفصالها الرسمي منذ ثلاث سنوات، كانت تضع الأوراق في درج خشبي داخل غرفة نومها، معتقدة أنها في مكان آمن قبل أن تصبح المنطقة حمراء لا يمكن لأحد من السكان دخولها.
تقول ميساء إن المشكلة ظهرت عندما حاولت التسجيل ضمن قوائم المساعدات المخصصة للنساء المعيلات، طُلب منها إبراز ما يثبت حالتها الاجتماعية، سواء قسيمة الطلاق أو حكمًا شرعيًا يؤكد أنها مطلّقة وتعيل طفلها وحدها، لم تكن تملك سوى صورة قديمة غير مصدقة على هاتف شقيقتها.
“أخبرتهم أنني مطلّقة منذ سنوات وأعيش مع طفلي دون أي نفقة منتظمة لكن الموظف في جمعية الإغاثة قال إن الملف يحتاج مستندًا رسميًا، بقي اسمي معلقًا فترة لأنني لم أستطع إحضار الورقة الأصلية أو اخراج هوية بدل فاقد تثبت حالتي الإجتماعية” تروي ميساء
ولفتت ميساء إلى أن استخراج بدل فاقد لم يكن أمرًا بسيطاً في ظل النزوح القسري، فالمحكمة التي أصدرت الحكم أصبحت مدمرة بالكامل بفعل الغارات الإسرائيلية.
وتزداد هذه الأزمة تعقيدًا في ظل حجم الدمار غير المسبوق في القطاع، إذ تشير تقديرات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) إلى أن نحو 66٪ من مباني قطاع غزة تعرضت للتدمير أو لأضرار متفاوتة منذ بداية الحرب، أي ما يقارب 163 ألف مبنى.
المحامية رندا قدادة المتخصصة في القانون الدولي، توضح أن النساء يتأثرن بهذه الأزمة بشكل مضاعف بسبب طبيعة وضعهن القانوني والاجتماعي، وتؤكد أن الوثائق بالنسبة للنساء في السياق الغزي هي أدوات حماية قانونية واجتماعية، وتضيف: “المرأة تحتاج إلى عقد الزواج لإثبات علاقتها القانونية بأسرتها، وإلى شهادات ميلاد الأبناء لضمان تسجيلهم في المدارس والحصول على الخدمات الصحية، وإلى أحكام الحضانة أو الميراث لحماية حقوقها من النزاع العائلي. فقدان هذه الوثائق يضعها في موقع هش للغاية”.
وتشرح قدادة أن الحرب أفرزت فجوات إدارية واضحة نتيجة تضرر مقار البلديات والمحاكم وبعض دوائر التسجيل، ما جعل استخراج بدل فاقد عملية بطيئة ومعقدة. وتقول: “في ظل الدمار الواسع، يصبح الاعتماد على الأرشيف المركزي أو النسخ الاحتياطية محدودًا، خصوصًا إذا لم تكن هناك رقمنة شاملة للسجلات قبل الحرب”.
وتفصل بين البعد الإنساني والقانوني، مؤكدة أن الإشكالية لا تقتصر على المساعدات الطارئة بل تمتد إلى ما بعد الحرب، “عند بدء أي عملية إعادة إعمار أو صرف تعويضات، سيُطلب إثبات الملكية أو الصفة القانونية، النساء اللواتي فقدن وثائقهن قد يواجهن صعوبة في إثبات حقهن في المسكن أو التعويض، خاصة إذا كانت الملكية مسجلة باسم الزوج أو الأب”؛ تشرح رندا.
وتحذر رندا من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل منظم سيؤدي إلى نزاعات عقارية وأسرية طويلة الأمد، وتوضح: “غياب الوثيقة يعزز سلطة من يحتفظ بنسخة أو يملك قدرة الوصول إلى السجلات، وغالبًا ما يكون الرجل في موقع أقوى اجتماعيًا وقانونيًا، ما يفاقم هشاشة النساء”
في المقابل، تشير رندا إلى وجود بدائل قانونية مؤقتة يمكن اللجوء إليها، مثل الشهادات الخطية من الشهود، أو النسخ المصورة غير المصدقة، أو الإفادات الصادرة عن المخاتير والبلديات، لكنها تؤكد أن الاعتراف بهذه البدائل يظل محدودًا ويعتمد على تقدير الجهة المختصة.
اللافت أن كثيرًا من النساء لا يدركن الإجراءات المتاحة لهن في ظل انشغالهن بتأمين الاحتياجات اليومية من ماء وغذاء ومأوى، تقول أمينة الغول إنها لم تفكر في مسألة استخراج بدل فاقد إلا بعد مرور أشهر “كنت أبحث عن خيمة وطعام لأطفالي، لم يخطر ببالي أن غياب الهوية سيلاحقني في كل خطوة”.
وتؤكد رندا قدادة أن معالجة الأزمة تتطلب خطة متعددة المستويات، تبدأ بحصر الأضرار في السجلات الرسمية، مرورًا بإطلاق حملات توعية قانونية موجهة للنساء، وصولًا إلى إنشاء قاعدة بيانات رقمية آمنة تُحفظ نسخها خارج القطاع. وتقول: “حماية الوثائق هي حماية للهوية القانونية وللسلم الأهلي في المستقبل”.
في ظل حرب لم تكتفِ بتدمير الحجر، يبدو أن الورق أيضًا أصبح هدفًا غير مباشر، والنساء يدفعن ثمن هذا الفراغ القانوني بصمت يومي، بين خيمة وأخرى تحمل كل واحدة منهن قصة فقدان مزدوج: منزل سقط، وورقة ضاعت، وحقّ ينتظر إثباته في زمن لا يعترف إلا بالمستندات.






