بين القصف وقرار الفصل: مأساة موظفي الأونروا خارج غزة

بين القصف وقرار الفصل: مأساة موظفي الأونروا خارج غزة
#الحماية_حق #cdmcgaza

ترنيم خاطر

قرار المفوض قتلني كما قتلتنا الصواريخ” بهذه العبارة الصادمة تلخّص المعلمة نوال رضوان شعورها بعد تلقيها رسالة فصلها من عملها في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فلم تغادر نوال قطاع غزة بإرادتها، ولم تترك عملها الذي أمضت فيه 18 عامًا بين أطفال المرحلة الأساسية، بل خرجت مرافقة لزوجها المصاب إصابة خطيرة جراء القصف، اليوم، تجد نفسها – كما عشرات الموظفين خارج غزة – بلا راتب، وبلا تفسير واضح، في قرار يصفه المفصولون بـ”التعسفي”، ويقولون إنه أضاف خسارة جديدة إلى سلسلة خسائرهم في الحرب.

تسكن نوال شرق جباليا، في منطقة زمو شرق شارع صلاح الدين. مع بداية الحرب، تلقت تهديدات هاتفية تطالب السكان بإخلاء المنطقة، فتقول: “نزحنا مثلنا مثل كل الناس”، وبدأت رحلة النزوح إلى المعسكر، ثم إلى مشروع بيت لاهيا، ومنها إلى مدينة الزهراء، حيث أقامت في أحد الأبراج الثلاثة التي تعرضت للقصف، تصف ذلك اليوم بـ “يوم رعب… الشبابيك تطايرت، والشظايا كانت في كل مكان”.

انتقلت بعدها إلى النصيرات، فقُصف المنزل المجاور وأُصيب عدد من الجيران. حملت أبناءها إلى دير البلح واستأجرت منزلًا ظنّت أنه أكثر أمانًا، لكن في 19 فبراير/ 2024 استُهدفت أربعة منازل متجاورة، كان أحدها منزلها، في ذلك القصف استشهد شقيقها وزوجته وأطفالهما، وفي الجهة الأخرى كانت تسكن ابنتها المتزوجة التي استشهدت أيضًا، وأُصيب أبناؤها بجراح متفاوتة، فيما أُصيب زوجها بكسر في الرقبة، في قصف أسفر عن استشهاد 15 شخصًا وإصابة العشرات.

نوال (52 عامًا)، أم لثمانية أبناء، تعمل معلمة في مرحلة التعليم الأساسي، وتصف عملها بأنه مرهق: “التعامل مع الأطفال ليس سهلًا”، حتى إنها أُصيبت بالضغط والسكري خلال سنوات عملها، لكنها تعتبره رسالة أدّتها بإخلاص.

بعد إصابة زوجها، بدأت رحلة علاج معقّدة، مكثوا شهرًا في مستشفى شهداء الأقصى بانتظار تحويلة طبية لعدم توفر العلاجات اللازمة، حتى جهاز الرنين المغناطيسي لم يكن متاحًا، سُمح لزوجها بالسفر بشرط أن تكون المرافِقة سيدة، فخرجت معه، وتم رفض أخيه، وتمكنت من اصطحاب أصغر أبنائها (13 عامًا)، بينما بقي البقية في غزة.

في 20 أبريل/2024 بدأت رحلة العلاج في الإسماعيلية بمصر، حيث مكث زوجها شهرين في مستشفى الأميري وتحسنت حالته نسبيًا، زوجها متقاعد ويُحوَّل راتبه التقاعدي إلى أبنائه في غزة، بينما تعيش هي في مصر على مساعدات من مؤسسات خيرية، تتكفل إحداها بإيجار السكن.

رغم ذلك، لم تتوقف عن عملها؛ تابعت صفّين يوميًا من مدرستها في جباليا، وساعدت زميلاتها بسبب توفر الكهرباء والإنترنت لديها، ومع إطلاق التعليم الافتراضي تولّت تدريس ثلاث شعب كاملة، تحت إشراف يومي من الموجّهة.

لكن قبل عام وصلتها رسالة بوضعها في إجازة استثنائية دون راتب، ثم أُتبعت برسالة فصل، تقول: “رأس مالنا هو راتبنا… وكرامتنا في راتبنا، مرضت أسبوعين بعد القرار، ضغطي وسكري لم ينخفضا”.

تؤكد أن من غادروا فعلوا ذلك قسرًا: مرافقون لمرضى أو مرضى أو بحثًا عن النجاة، وتتساءل عن غياب المعايير الواضحة، مشيرة إلى أن بعض العاملين خارج غزة لم تُقطع رواتبهم، وتضيف أن المفصولين تقدموا بطعن أمام محكمة الوكالة، معتبرة أن فقدان الوظيفة لم يكن خسارة دخل فحسب، بل “ضربة لكرامتي بعد سنوات من العطاء”.

قصة نوال ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات الموظفين الذين وجدوا أنفسهم خارج غزة بفعل الحرب، ثم خارج وظائفهم بقرار إداري مفاجئ.

غادة زيدان (45 عامًا)، معلمة علوم في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التحقت بالعمل عام 2005 فور تخرجها الجامعي، بعد أن كانت من الطالبات المتفوقات. لم تتوقف عند ذلك الحد، بل واصلت تطوير نفسها مهنيًا، فحصلت على دبلوم في التربية ثم درجة الماجستير، إيمانًا منها بأن التعليم رسالة تتطلب نموًا مستمرًا.

عملت غادة في مدرسة الأمل بخان يونس، وفي عام 2021، اكتشفت إصابتها بانحناء في العمود الفقري. خضعت لعملية جراحية في الضفة الغربية، وعادت بعدها إلى عملها بحالة صحية مستقرة. تقول: “رجعت أكمل شغلي وأنا بأفضل حال”.

مع بدء الحرب على غزة، نزحت من خانيونس إلى رفح، ثم إلى مدينة حمد، وخلال الاجتياح العسكري لها بتاريخ 6 مارس 2024 تعرضت المنطقة لقصف عنيف، “كنا نركض تحت القصف، نمشي مسافات طويلة على الأقدام”، تقول: “مع النزوح المتكرر والجهد البدني القاسي، تكسرت الدعامات المعدنية (الجسور) التي زُرعت في عمودي الفقري خلال العملية السابقة، وانحنى ظهري إلى الأمام بشكل كبير، وازداد الوضع سوءًا”.

توجهت إلى المستشفى الأوروبي، وقدّمت تقاريرها الطبية التي تثبت خضوعها لجراحة سابقة في الضفة، قرر الأطباء تحويلها بشكل عاجل للعلاج خارج القطاع.

غادرت غزة في 10 مارس 2024، برفقة والدتها المسنة، وشقيقتها من ذوي الاحتياجات الخاصة، وطفليها التوأم اللذين رُزقت بهما بعد سنوات من العلاج ومحاولات الإنجاب، “عشر سنين وأنا أزرع وأتعالج لحتى ربنا أكرمني فيهم”، فيما بقي زوجها في غزة.

أجرت عملية في مستشفى حكومي بمصر، إلا أنها لم تنجح، ما اضطرها إلى إعادة الجراحة مرة أخرى وعلى نفقتها الخاصة، وبين ألم الجراحة ومرارة الغربة، كانت تعيش قلقًا يوميًا على زوجها الذي تركته في القطاع، “دايمًا بدعي: يا رب تلمّنا وتجمعنا على خير”.

وتضيف رغم أن خروجها كان بقرار طبي موثق، تفاجأت غادة بقرار وضعها في “إجازة استثنائية” بتاريخ 6 فبراير 2025، وفق رسالة إلكترونية وصلتها من إدارة الوكالة، وقبل انتهاء العام، وصلها رسالة أخرى من قسم الموارد البشرية يفيد بإنهاء خدمتها بشكل نهائي، لم يكن ذلك وحده الصدمة فقد تم أيضًا فصل زوجها، الموجود داخل غزة .

وتضيف بأسى واضح:”خرجت بتحويلة رسمية للعلاج، مش بإجازة سياحية، ومع ذلك اعتبروني متوقفة عن العمل، هذا القرار فاقم وضعي الصحي والنفسي، وحتى المادي”.

تؤكد غادة أن حالتها كانت موثقة بتقارير وتحويلة طبية رسمية، وأن خروجها تم لأسباب صحية قاهرة، لا بإرادة شخصية، وترى أن القرار لم يراعِ الظروف الاستثنائية للحرب ولا مبدأ العدالة الوظيفية في التعامل مع الحالات الإنسانية الطارئة، وتتساءل: “هل يُحاسَب الموظف لأنه اضطر للعلاج؟ هل يصبح المرض سببًا لفقدان الوظيفة؟”. 

“قبل الحرب، حصلت على قرض من أحد البنوك الفلسطينية لشراء قطعة أرض وبناء بيت العمر لعائلتي بعد سنوات من التعب والاجتهاد، كان باقي عليّ مبلغ كبير كنت أنوي تسديده قريبًا، معتمدًة على راتبي وراتب زوجي، واليوم، بعد أن فُصلت أنا وزوجي من عملنا، أصبح الحلم عبئًا ثقيلًا، ولم أعد أعرف كيف سأتمكن من الوفاء بالتزاماتي المالية.”

تعيش حاليًا في شقة بمصر، تتقاسم إيجارها مع أقارب، وهي المعيلة الوحيدة لأسرتها في ظل وجود والدتها المسنة، وشقيقتها من ذوي الإعاقة، وطفليها الصغيرين، وأصبحت تعتمد جزئيًا على مساعدات الأقارب في الخارج لتغطية بعض احتياجاتهم الأساسية.”

ولم تستطع غادة تسجيل طفليها في المدارس الخاصة بالفلسطينيين لعدم قدرتها على دفع الرسوم الدراسية، واضطرت إلى تسجيلهم في الأزهر الشريف – مجاني – رغم أنه يعتمد على المنهج المصري وهو ما سبب عدم راحة لأطفالها.

“صرنا ندور على روابط المساعدات، إحنا اللي كنا قبل الحرب نجهز مساعدات للناس”، تقول بحسرة:”إن تلك المساعدات “لا تغني ولا تسمن من جوع”.

لا تطلب غادة اليوم أكثر من العودة إلى عملها الذي أحبته لعشرين عامًا تقريبًا، واستثمرت فيه جهدها العلمي والمهني. تقول: “إحنا مش طالبين امتيازات، بدنا حقنا في شغلنا، بدنا نرجع نكمل رسالتنا”.

قرار الفصل النهائي من الوظيفة ليس مقتصراً على نوال وغادة، وإنما شمل ما يقارب 600 موظف جميعهم غادروا غزة بسبب الحرب، وبررت “الأونروا” ذلك بالأزمة المالية، وعدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها.

أكد حسن زغبر، الناطق باسم لجنة الدفاع عن الموظفين المفصولين، أن مغادرة عدد من الموظفين قطاع غزة لم تكن هروبًا من العمل، بل كانت خطوة اضطرارية لإنقاذ عائلاتهم من أخطار القصف والنزوح المستمر وتدهور الظروف المعيشية، مشددًا على أنهم واصلوا أداء مهامهم المهنية عن بُعد رغم صعوبة الأوضاع.

وأوضح زغبر أنه غادر غزة في أبريل 2024 برفقة زوجته وأطفاله الخمسة بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، مؤكدًا أنه لم يتوقف عن متابعة عمله، بل تحمل أعباء إضافية لتعويض نقص الإمكانات لدى زملائه داخل القطاع، خاصة في الجوانب التعليمية والدراسية.

وأشار إلى أن وكالة “الأونروا” كانت قد شجعت موظفيها منذ بداية الحرب على التوجه إلى أماكن أكثر أمانًا، وأن خروج عدد من الموظفين إلى الخارج جاء استجابةً لهذا التوجه وبدافع الحفاظ على حياتهم وحياة أسرهم، وهو حق إنساني مشروع.

وبيّن زغبر أن القرار لم يراعِ الأوضاع الإنسانية والصحية للموظفين المفصولين، لافتًا إلى أن بينهم نحو 60 مريض سرطان، و40 حالة تحويلات طبية، و30 مصابًا من جرحى الحرب، إضافة إلى أن 85% من المفصولين من النساء، ما يعكس حجم التداعيات الاجتماعية والإنسانية المترتبة على القرار.

وأكد أن الموظفين الذين غادروا القطاع لم يسافروا للترفيه أو السياحة، بل للعلاج أو لمرافقة مرضى أو هربًا من خطر الموت تحت القصف، مشيرًا إلى أن كثيرًا منهم يعتمدون كليًا على رواتبهم الشهرية لتأمين احتياجات أسرهم، الأمر الذي جعل قطع الرواتب يفاقم أوضاعهم المعيشية بشكل غير مسبوق.

وأضاف أن بعض الموظفين يعيشون اليوم أوضاعًا إنسانية قاسية، حيث يعجز بعضهم عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، واضطر آخرون إلى العمل في أعمال متدنية الأجر أو الاستدانة لتغطية تكاليف العلاج والمعيشة، في ظل تراكم الديون وتوقف مصادر الدخل.

ورغم ذلك، شدد زغبر على أن الموظفين المفصولين سلكوا المسار القانوني، وقدموا طعونًا رسمية أمام محكمة الأونروا لمراجعة قرار الفصل، معربين عن أملهم في استعادة حقوقهم الوظيفية والإنسانية والعودة إلى أعمالهم التي خدموا فيها لسنوات طويلة.

بدورها سارعت المؤسسات الحقوقية، إلى إدانة القرار، معتبرةً هذا القرار خرقًا صريحًا لأبسط مبادئ العدالة وحقوق العاملين، وانتهاكًا فادحًا لمبدأ الاستقرار الوظيفي والحماية من الفصل التعسفي، كما أن تحميل الموظفين تبعات فشل التمويل الدولي أمر غير مبرر، محذرًا من تحويل الأزمة المالية إلى كارثة إنسانية تطال مئات العائلات.

فيما حذرت القوى والفصائل الفلسطينية من أن يكون هذا القرار يتسق مع الضغوط السياسية التي تتعرض لها إدارة الوكالة بهدف تصفيتها، وجزءًا من مسار يستهدف تفريغ “الأونروا” من كوادرها المحلية، تمهيدًا لإضعاف دورها كشاهد أممي على قضية اللاجئين، مشيرةً إلى أن هذا القرار له أبعاد سياسية وإدارية خطيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى