
حين تتحول “الحماية” إلى إقصاء: صحفيات غزة خارج الميدان
مرح شويدح – غزة
في بيئة ميدانية مشبعة بالمخاطر، لم يعد غياب الصحفيات عن بعض التغطيات في غزة تفصيلًا عابرًا، بل تحولًا يثير أسئلة أعمق. تحت عنوان “الحماية”، تُعاد صياغة حضورهن في الميدان، في سياق يلامس حدود التمييز، ويعيد طرح مفهوم العدالة المهنية في زمن الحرب.
خلال فترات الطوارئ، برزت ممارسات تُقصي الصحفيات من التغطية، بدافع الحفاظ على سلامتهن. غير أن هذا الخطاب، كما تظهر الشهادات، لا يخلو من إشكاليات حين يُطبق دون معايير واضحة أو دون إشراكهن في القرار، ليتحول في بعض الحالات إلى إقصاء غير مباشر، يحمل تبعات مهنية ونفسية.
الصحفية الميدانية مريم الدعلبة تختصر التجربة بوضوح: “استبعادي من التغطية خلال الحرب أثّر على مساري المهني”. وتضيف أنه تم فصلها مع خمس زميلات “تعسفيًا” من المؤسسة الإعلامية التي كن يعملن بها، مبررة ذلك بأن العمل “سيهدد حياتهن”، قبل أن يتم “إقصاؤهن بحجة عدم الالتزام بالتغطية”.
تصف مريم الأثر النفسي قائلة إنها شعرت “بالعجز في نقل الأخبار”، وأصبحت تعاني من “فرط العصبية”، مؤكدة أن دور الصحفي يبرز تحديدًا في فترات العدوان، وأن حرمانها من التغطية شكّل خسارة مهنية حقيقية.
تجربة مشابهة ترويها الصحفية ندى المظلوم، التي شعرت أن استبعادها أوقف مسيرتها فجأة. تقول إن حلمها “تعطل رغم قرب تحقيقه”، وإن القرار انعكس عليها نفسيًا، مولّدًا شعورًا بالإحباط والتراجع. وتضيف أن شعورها تذبذب بين الحماية والتمييز، خاصة مع غياب حقها في اتخاذ القرار، ما أدى إلى ضغط داخلي وفقدان الحماس، في ظل صعوبة التوفيق بين العمل وظروف النزوح.
في المقابل، يقدّم مدير قناة الكوفية أحمد حرب قراءة مختلفة، مشيرًا إلى أن التعامل مع المهام الخطرة يقوم على “تجنب المجازفة”، وأن هناك “حرصًا أكبر على الصحفيات” بوصفه نوعًا من “التمييز الإيجابي”. ويرى أن هذا التوجه مرتبط بالحفاظ على سلامتهن، خاصة في بيئات قد تعرضهن لمخاطر إضافية، مع محاولة تحقيق توازن بين السلامة وعدم التمييز، رغم غياب برامج دعم نفسي مؤسسية واضحة.
قانونيًا، تؤكد المحامية والمدربة هديل النفار أن الحماية لا يمكن أن تكون مطلقة، بل يجب أن تستند إلى “خطر حقيقي ومباشر” مع توفر حسن النية. وتحذر من أن توسيع استخدام هذا المفهوم خارج هذه الشروط قد يندرج ضمن ممارسات تمييزية، مخالفة للاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تلزم بضمان المساواة وعدم الإقصاء.
ومن الزاوية النفسية، ترى المختصة آمال شويدح أن الإقصاء إن قُدّم باعتباره حماية قد يؤدي إلى “الاحتراق الوظيفي” و”تبدد الأحلام”، خاصة حين لا يستند إلى مبرر موضوعي. فيما تشير المختصة هند بشيتي إلى أن التجربة تمثل “فقدانًا معنويًا” يرتبط بتعطل الطموح، ويُنتج توترًا داخليًا مستمرًا يظهر في صورة إحباط وتراجع في الدافعية.
وبحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين، يعمل الصحفيون في قطاع غزة في بيئة عالية الخطورة، حيث يتعرضون لاستهداف مباشر ومتكرر، مع غياب الحد الأدنى من إجراءات الحماية والسلامة المهنية. وتشير التقارير إلى أن العشرات من الصحفيين فقدوا حياتهم خلال التغطية، فيما يواصل الآخرون العمل تحت تهديد دائم، وسط تدمير البنية التحتية الإعلامية وصعوبة الوصول إلى أماكن آمنة.
كما تؤكد النقابة أن الصحفيين، ومن بينهم الصحفيات، يعيشون حالة توتر مستمرة، نتيجة الجمع بين التغطية اليومية لمشاهد العنف والفقد، ومعايشة الحرب على المستوى الشخصي. هذا الواقع يضاعف من الأعباء النفسية، في ظل غياب الدعم المؤسسي الكافي، ويجعل بيئة العمل الإعلامي أقرب إلى حالة استنزاف دائم.
وفي إطار المتابعة، تشير علا كساب، عضو الأمانة العامة ورئيسة لجنة التدريب في نقابة الصحفيين، إلى أن ما يحدث لا يمكن وصفه كتراجع، بل “تحول في طبيعة المشاركة” نحو أدوار أكثر أمانًا، نتيجة المخاطر الأمنية وأعباء النزوح والقيود الاجتماعية. وتؤكد أن النقابة تتابع شكاوى التمييز، وتعمل على ضمان عدالة الفرص، مطالبة بسياسات واضحة تربط السلامة بتقييم المخاطر لا بالنوع الاجتماعي.
في المحصلة، لا تكمن الإشكالية في مبدأ الحماية ذاته، بل في كيفية تطبيقه. فعندما تُفرض الحماية دون معايير واضحة، أو دون إشراك الصحفيات في القرار، تتحول من إجراء وقائي إلى ممارسة تُنتج إقصاءً غير مباشر، يعيد تشكيل حضور النساء في الإعلام، ويطرح سؤالًا مفتوحًا حول العدالة في بيئات العمل خلال الحروب.
انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.
ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.






