“الأطفال يخافون منى”.. جنات طفلة فقدت شعرها بسبب الخوف من الحرب

“الأطفال يخافون منى”.. جنات طفلة فقدت شعرها بسبب الخوف من الحرب

 

جنات طفلة فقدت شعرها بسبب الحرب والخوف
#الحماية_حق #cdmcgaza

دعاء شاهين-غزة

لم تكن تتخيل يوما الطفلة جنات ذات الظفائر السوداء الجميلة التي كانت مرتخية على كتفيها أن المرآة التي كانت تقف أمامها وقتا لتسرح ظفائرها أمامها ستتحول لخصم قاسي، بعد أن بدأت خصلات شعرها السوداء تغادر رأسها واحدة تلو الأخرى، حاملةً معها ما تبقى من شعور بالأمان لأي طفلها بسنها. 

كانت الطفلة جنات عودة 14 عام قبل عام ونصف مجرد طفلة من غزة، تحلم بحياة عادية تشبه عمرها، إلى أن دفعتها الحرب مع عائلتها إلى النزوح القسري، لتبدأ معاناتها.

نزحت عائلتها أولا من حي النصر غرب غزة السابع من أغسطس العام الماضي 2024 هربًا من القصف الإسرائيلي المتواصل شمال غزة، متجه إلى الجنوب تنقلت بين أكثر من منطقة، إلى أن استقر بها الحال للنزوح في بيت أحد أقاربهم بمخيم البريج جنوب قطاع غزة عله يكون ملاذهم الآمن، ولكن سرعان ما تحول المكان لمسرح من الرعب بعد أسبوع من نزوحهم، قلبت حياة العائلة رأسا على عقب ومن بينهم جنات التي كانت أكثر تأثرا بالصدمة وفق رواية والدة جنات منال عودة 50 عاما.

تروي الأم منال ما حدث في ليلة العشرين من أغسطس 2024:” كنت أنا وزوجي وابنائي الثلاث لؤي وسامر ومؤيد أعمارهم تتراوح مابين 6 سنوات إلى 12 عام وابنتي الكبرى جنات ومعنا والدهم، في غرفة بمنزل أحد أقاربنا، وفجأة سمعنا صوت إطلاق نار من كل اتجاه، وذرب مدافع وقصف إسرائيلي بجوارنا”

تكمل:” شعرت أن القيامة قامت، نزلنا بالطابق السفلي مع الأولاد وإذ عشرات الجنود الإسرائيليين حاصروا المكان فجأة، صراخ يملأ المكان، أضواء ساطعة تشقّ الظلام، أسلحة مصوّبة، وأوامر غليظة لا تُفهم باللغة العبرية، اقتُحمت المنزل بعنف، وبدأ إطلاق النار مباشرة، علينا ونحن لا نعرف ماذا يحدث أو ما السبب”. 

تضيف حديثها:” اعتقل الجنود أحد أقاربنا وأطلقوا النار على زوجي أمامنا لأنه حاول أن يفهم منهم لماذا فعلوا هذا بنا؟ أمام عيني جنى، سقط والدها أرضًا بعدما اخترقت عشرات الرصاصات ساقيه، صوته وهو يصرخ من الألم لم يغادر ذاكرتها، ولا يزال يوقظها من نومها حتى اليوم، ولم ينتهِ المشهد عند هذا الحد، اقتاد الجنود الأب وهو ينزف للخارج، وأدخلونا جميعا في غرفة صغيرة”

” حينها بدأ جسد جنات يرتجف من الخوف وتبكي لا نفهم ماذا تقول، هددونا جميعا بقتلنا لو خرجنا من المكان ويطالبونني أن تختار: من سيُقتل أولًا من أولادي؟ كنت أصرخ وأتوسل لهم  أن لايفعلوا شيء لأولادي”. تقول الأم

وفق ما أدلت به الأم أن جنود الاحتلال انسحبوا من المكان في الخامسة فجرا وظلت العائلة محبوسة في غرفة صغيرة والأب بالخارج ينزف، حتى بزغ الفجر وجاء الجيران ليفهموا ما حدث، وأخذوا الأب لإسعافه.

بعد أيام قليلة فقط من هذه التجربة المروّعة، بدأت جنات تلاحظ تساقط شعرها بكميات كبيرة مع كل تسريح لشعرها كانت تمسك الفرشاة، فتعلق بها خصلات كاملة أخبرت والدتها، لكن الصدمة الحقيقية جاءت حين بدأ شعرها يتساقط بشكل شبه كامل، ولم يتبقَّ سوى بعض الخصلات الصغيرة في مؤخرة رأسها.

لم يكن المرض جسديًا بقدر ما كان أثرًا مباشرًا للخوف الشديد الذي عاشتها، حاولت والداها علاجها واصطحابها إلى عدة مستشفيات، بحثًا عن علاج لحالتها، بسبب النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية في غزة نتيجة الاستهداف المباشر للمنظومة الصحية ومنع إدخال الإمدادات   نتيجة الحصار والحرب الإسرائيلية على غزة، فقد خرجت مستشفيات ومرافق طبية عن الخدمة، وتآكل المخزون الدوائي إلى مستويات خطيرة. 

ووفق وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، تجاوزت نسبة العجز في الأدوية الأساسية 50%، وارتفعت إلى أكثر من 70% في المستلزمات الطبية، مع تسجيل أكثر من 321 صنفًا دوائيًا برصيد صفر، إضافة إلى نقص بنحو 62% من أدوية الرعاية الأولية. هذا الواقع يضع آلاف المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة والجرحى، أمام خطر حقيقي في ظل نظام صحي يواجه خطر الانهيار شبه الكامل.

تشير الأم أن الأطباء شخّص حالة جنات وسبب تساقط شعرها ناتج عن صدمة نفسية حادة، تعرضت لها ووُصفت لها بعض العقاقير، بينها أدوية تحتوي على الكورتيزون، لكنها لم تكن علاجًا حقيقيًا في غياب المتابعة النفسية المتخصصة

تعاني جنات من نوبات هلع مفاجئة، أرق دائم، وكوابيس تعيدها في كل مرة إلى تلك الليلة، إلى الصراخ، وصوت القصف. وفقاً لوالدتها

وفي بعض الأوقات تحاول جنات أن تستعيد عافيتها تقف أمام المرآة مترددة، تلمس رأسها بحذر، وكأنها تتحسس أثر الحرب على جسدها الصغير.

أكبر مخاوف والدتها هو ألّا ينمو شعر ابنتها مجددًا، أما جنات، فأمنيتها بسيطة ومؤلمة في آنٍ واحد: أن يعود شعرها للنمو، لتتمكن من تمشيطه، من تجديله في ضفيرتين جميلتين، كما كانت تفعل قبل أن تسرق الحرب طفولتها وأمانها. وفقا للأم أم للفتاة؟ وفقا للفتاة جنات

تقول بحزن: “أنا حزينة لأنه لا توجد شعرة واحدة أمشطها بفرشاتي… أريد فقط أن أُمشّط شعري من جديد، لا أخرج للشارع وأنا ألعب مع صديقاتي بالحارة لأني أتعرض للتنمر، الأطفال الصغار يخافون مني ويهرعون لأمهاتهم عندما يشاهدوني وهذا يسبب لي ألم كبير”. 

وتكمل جنات:” توقفت عن الذهاب للمدرسة، رغم أني من الطالبات المجتهدات، لأن زميلاتي  بالفصل ينظرون إلى بنظرات شفقة أو خوف من شكلي، يقلن لي ” صلعاء”، وهذا ما يؤلمني أكثر، فاضطررت لإرتداء الحجاب رغم صغر سني رغم أني لست محجبة لكي أخبىء رأسي لأني أصبحت دون شعر، قبل الحرب كان شعري جميل وكنت دائما أسرحه وأهتم به “.

وتروي:”كنت أحب الذهاب للبحر والسباحة كنت أحب شكل خصلات شعري وهي مبللة بمياه البحر، فالبجر بالنسبة لنا كأطفال نعيش بغزة ، هو متنفسنا الوحيد، لكني حرمت أيضا من الذهاب للبحر والسباحة، لأني أتذكر عندما كنت أسبح مما يشعرني بحسرة كبيرة وغصة”.

تتمنى جنات أن تحصل على علاج يعيد لها خصلات شعرها مما يجعلها تستعيد ثقتها بنفسها وتخرج للعب مع صديقاتها وتذهب للبحر بحرية دون أن تخاف من نظرات المجتمع وتمارس هوايتها المفضلة السباحة.وتشير بقولها إلى أن الاحتلال الإسرائيلي حرمها من أن تعيش طفولتها كباقي أطفال العالم

لا تعيش جنات هذه المعاناة وحدها قصتها تشبه قصص آلاف الأطفال في غزة، الذين خلّفت الحرب في أجسادهم الصغيرة آثارًا نفسية عميقة، يعيشون في خوف دائم، يحملون الصدمة في نومهم وصحوهم، وفي ملامحهم التي كبرت قبل أوانها

اليوم تحتاج جنات إلى علاج نفسي وجسدي متكامل خارج غزة، لكن إغلاق المعابر من قبل الاحتلال الإسرائيلي و قيود التي يفرضها على حركة السفر، وأعداد المرضى الهائلة المنتظرين للعلاج، جعلت ملفها عالقًا في قوائم الانتظار. 

يتزايد عدد المرضى في غزة الذين ينتظرون فرصة للعلاج خارج القطاع، حيث تشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة إلى أن أكثر من 20 ألف مريض وجريح يقفون على قوائم الانتظار للسفر، بينهم نحو 440 حالة حرجة جدًا بحاجة لتدخل عاجل، إضافة إلى قرابة 4,000 طفل و4,000 مريض أورام.

ومع استمرار القيود على الإجلاء الطبي، تتفاقم الكارثة الإنسانية، إذ سُجّلت وفاة أكثر من 1,200 مريض أثناء انتظارهم السفر، بمعدل يتراوح بين 6 إلى 10 حالات وفاة يوميًا، ما يعكس حجم الخطر الذي يواجهه المرضى في ظل تعذر حصولهم على العلاج اللازم في الوقت المناسب.

فيما كشفت دراسة أجراها مركز متخصص في الصحة النفسية في قطاع غزة، أن 96% من الأطفال في قطاع غزة يشعرون بأن الموت وشيك، فيما 87% من الأطفال يظهرون خوفا شديدا، بينما يعاني 79% منهم من الكوابيس.

وأظهرت الدراسة، التي أعدها “مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات الفلسطيني”، بدعم من “تحالف أطفال الحرب”، أن أكثر من عام من النزوح والقصف المتواصل ترك أطفال قطاع غزة الأكثر ضعفا يعانون من أزمات نفسية حادة، حيث أصبحت عائلاتهم على حافة الانهيار.

وأفادت الدراسة بأن 92% من أطفال غزة لا يتقبلون الواقع، و77% يتجنبون الحديث عن الأحداث الصادمة، فيما يظهر 73% منهم سلوكا عدوانيا، بينما قال 49% من أطفال عينة الدراسة إنهم يتمنون الموت بسبب الحرب.

في ذات السياق يوضح طبيب الجلدية وأخصائي علاج نفسي من آثار الصدمات سالم عليان إن الصدمات النفسية التي يتعرض لها الأطفال بسبب الحرب على غزة تركت آثارًا جسدية واضحة، من أبرزها تساقط الشعر المفاجئ وأوضح أن بعض الأطفال قد يصابون بحالة تُعرف طبيًا باسم Alopecia Areata، وهي مرض يؤدي إلى تساقط الشعر على شكل بقع دائرية نتيجة اضطراب في جهاز المناعة، وقد تثيره الضغوط النفسية الحادة.

وأشار إلى أن التعرض لمواقف مرعبة مثل القصف، أو سماع الانفجارات المتكررة، أو فقدان الشعور بالأمان، يرفع مستويات هرمونات التوتر في جسم الطفل، ما يؤثر في بصيلات الشعر ويدفعها إلى التوقف عن النمو والدخول في مرحلة التساقط.

 وأضاف أن بعض الأهالي يلاحظون بداية المشكلة بعد أيام أو أسابيع من حدث صادم، حيث يبدأ الشعر بالتساقط بكميات كبيرة أثناء التمشيط أو الاستحمام، وقد تظهر فراغات واضحة في فروة الرأس خلال فترة قصيرة.

وشدّد على أن التعامل مع هذه الحالات لا ينبغي أن يقتصر على العلاج الطبي فقط، بل يجب أن يترافق مع دعم نفسي يساعد الطفل على استعادة شعوره بالأمان.

 في ذات السياق يقول محمد أبو زيادة طبيب الأطفال في إحدى العيادات الطبية بغزة ومنابع لحالة جنات : إن الحالة التي تعاني منها الطفلة جنات تُشبه إلى حد كبير الثعلبة أو تساقط الشعر الناتج عن الصدمات النفسية الحادة، وهي حالات شائعة بين الأطفال في مناطق النزاع، بسبب التعرض المفاجئ للخوف الشديد، مثل القصف أو النزوح، يمكن أن يُحدث اضطرابًا في جهاز المناعة أو في دورة نمو الشعر، ما يؤدي إلى تساقطه بشكل سريع خلال فترة قصيرة”.

ويضيف: ” في هذه الحالات غالبا ما نلجأ للعلاج بطريقين بالتوازي بين العقاقير الطبية والعلاج النفسي لا يبدأ بالدعم النفسي للطفل وخلق بيئة آمنة للطفل، حتى وإن كان هذا الأمر صعب بغزة لأن القصف لا زال مستمر لكن يخضع ممكن من خلال العلاج النفسي المتكرر يخفف عنه، و دوائيًا فقد نلجأ إلى استخدام مستحضرات مثل مينوكسيديل لتحفيز نمو الشعر، أو الكريمات الموضعية التي تحتوي على الكورتيكوستيرويدات لتخفيف الالتهاب، إلى جانب تعويض أي نقص غذائي عبر الفيتامينات والمعادن مثل الحديد والزنك، وعقاقير ” كورتيزون” وفي كثير من الحالات، يمكن أن يعود الشعر للنمو تدريجيًا مع تحسن الحالة النفسية واستقرار الظروف المحيطة”.

ويشير الطبيب أن حالة الطفلة جنات ليست الوحيدة العديد من الأطفال يمرون بهذه الحالة ومصابون بأمراض جلدية أبرزها بهاق الخوف من القصف وتغير لون الشعر للأبيض ” الشيب” أيضا نتيجة خوفهم وصدماتهم من القصف النزوح بغزة.

وعاش أهالي قطاع غزة لمدة عامين وأكثر حرب إسرائيلية أثرت بشكل عميق على المدنيين، خاصة الأطفال والنساء، نتيجة القصف المستمر والدمار الواسع للمنازل والبنى التحتية مما أجبر آلاف العائلات على النزوح إلى مراكز الإيواء أو منازل أقاربهم، وخلق حالة من الخوف والقلق الدائم. 

مما جعل الأطفال لا سيما جنات يعيشون في هذه البيئة تحت ضغط نفسي شديد، إذ يشهدون فقدان الأحباء، تدمير ممتلكاتهم، وانقطاع الخدمات الأساسية، ما يترك أثرًا نفسيًا وجسديًا طويل الأمد، بما في ذلك أعراض مثل القلق الشديد، صعوبة النوم، وأحيانًا تساقط الشعر المرتبط بالتوتر النفسي.

هذه الظروف تجعل من التدخل النفسي والاجتماعي العاجل ضرورة للحفاظ على صحة الأطفال النفسية وتمكينهم من استعادة شعورهم بالأمان والاستقرار رغم الواقع القاسي المحيط بهم.

فيما وتبين الأخصائية النفسية والمجتمعية ايمان الخطيب عن أبرز التدخلات العلاجية النفسية التي تتم لعلاج حالة الطفلة جنات بالتقييم النفسي أولًا يبدأ العلاج بتقييم حالة الطفل/ة من خلال جلسات آمنة يحاول فيها المعالج فهم ما مرّ به الطفل، مثل النزوح، فقدان المنزل، أو التعرض للقصف، الهدف هنا هو بناء شعور بالأمان والثقة.

وتضيف بقولها:” ونستخدم مع الأطفال في غزة الأسالبيب العملية والعلمية تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم والتعامل مع الصدمة، العلاج باللعب، على سبيل المثال، يمكّن الطفل من التعبير عن خوفه وقلقه من خلال اللعب أو الرسم بدل الكلام المباشر، خاصة أن كثيرًا منهم لا يستطيع وصف الصدمة بالكلمات”.

وتتابع ” كما نوفر الدعم النفسي الاجتماعي عبر مجموعات يلتقي فيها الأطفال بأقران مرّوا بتجارب مشابهة، ما يقلل شعورهم بالعزلة والخوف، وإشراك الأسرة أيضًا أساسي، فنرشد الوالدين لكيفية احتواء الطفل، توفير الطمأنينة، وتأسيس روتين يومي يمنحه شعورًا بالاستقرار. إلى جانب ذلك، نستخدم تقنيات بسيطة لتخفيف التوتر مثل تمارين التنفس والاسترخاء والأنشطة الفنية، لمساعدة الطفل على التحكم في قلقه والخوف”.

وتشيرالخطيب إلى أن الطفل يبدأ بالتعافي بالتجريج ونلاحظ عليه بدأ يندمج أكثر بالمجتمع ويتفاعل ويخرج من حالة العزلة التي كان يعيشها قبل العلاج بسبب تعرضه للصدمة التي أثرت عليه، سواء كان مثل حالة الطفلة جنات أو غيرها من حالات الصدمة التي أثرت على الطفل/ة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى