د. ميسون الشنباري.. من قاعة المحاضرات إلى حفرة الموت
د. ميسون الشنباري.. من قاعة المحاضرات إلى حفرة الموت
غزة- أصالة كُلَّاب

بين أصوات القصف التي لا تهدأ وركام البيوت الممتد في قطاع غزة، انتقلت الأكاديمية والكاتبة والمحاضرة الجامعية د. ميسون الشنباري من قاعة المحاضرات في بيت حانون إلى مشهد مختلف تمامًا، حيث لم تعد الكتب والمراجع محور يومها، بل البحث عن النجاة وسط النزوح والخوف. ومع ذلك، بقيت المعرفة بالنسبة لها ليست مجرد عمل أكاديمي، بل وسيلة للصمود وشهادة على ما يجري من حولها.
لم تكن حرب الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة مجرد عدوان على الأجساد والحجر، بل استهدفت أيضًا المعرفة والوعي والهوية. وفي قلب هذا الواقع، تقف د. ميسون الشنباري نموذجًا للصمود، فبعد أن أُجبرت على مغادرة منصتها الجامعية ومكتبتها في بيت حانون، رفضت الاستسلام لواقع التهجير والتجهيل، وحولت المعرفة من وظيفة أكاديمية إلى أداة للبقاء وشهادة توثق ما جرى.
كان الانتقال المفاجئ من عالم الفكر والكتب إلى واقع النزوح والبحث اليومي عن الماء والحطب صدمة ثقيلة. ففي لحظة واحدة، تركت د. ميسون الشنباري بيتها ومكتبتها لتجد نفسها في حياة بدائية وقاسية لا تشبهها. ورغم مرارة الواقع، كانت تؤمن أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في الحفاظ على وعيه وكرامته عندما يتهاوى كل شيء من حوله.
ولم تقف د. ميسون الشنباري عند حدود القناعة والنظرية، بل حولتها إلى فعلٍ حقيقي وسط الخطر. فخلال حصار مستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة، وبينما كان الموت يهدد الجميع، خاطرت بإعطاء محاضرات لطلابها عبر الإنترنت، متحدية ظروف الحرب وسياسة التجهيل التي حاولت تجميد الحياة الأكاديمية وحرمان الطلبة من حقهم في التعليم.
رافقت هذه الصلابة د. ميسون الشنباري خلال رحلة نزوح قاسية تكررت 33 مرة. وفي كل مرة كانت تغادر مكانًا جديدًا وتبدأ من الصفر، لكنها أصرت على حمل ما تبقى من هويتها وذاكرة بيتها. فإلى جانب حاجاتها الأساسية، كانت تحتفظ بصور العائلة ومفتاح منزلها في بيت حانون، ذلك المنزل الذي قصفه الاحتلال وتحول إلى ركام.
وكانت المحطة الأقسى عند مفترق الشيخ زايد، حيث احتجز جنود الاحتلال الاسرائيلي آلاف النساء والأطفال والمرضى لأكثر من ست ساعات داخل حفرة رملية عميقة، بينما كانت الدبابات تحاصرهم من كل جانب. هناك، وجدت د. ميسون الشنباري نفسها في مواجهة الخوف والمجهول، لكنها تمسكت بهدوئها وإيمانها بأن الوعي في أوقات الأزمات ليس ترفًا، بل وسيلة للثبات والبقاء.
وعندما عزل جنود الاحتلال الاسرائيلي الرجال عن النساء في ذلك الممر القاسي، فرض الواقع على ميسون دورًا قياديًا مباشرًا. فأخذت تدفع الكرسي المتحرك لعمتها المقعدة وسط الرمل والشظايا، وقسمت كِسرات الخبز اليابس التي كانت بحوزتها لتوزعها على الأطفال الجائعين داخل الحفرة.
كانت ترى أن انهيار القيم الإنسانية حولها يفرض عليها مسؤولية إضافية تجاه الأضعف، ورغم البشاعة التي أحاطت بالمشهد، فقد كشفت تلك اللحظات عن صور لافتة من التضامن والتكافل بين الناس.
لكن هذا التماسك كان يفرض عليها ثمنًا نفسيًا باهظًا. فخلف صورة “الجبل الشامخ” التي حرصت على إظهارها أمام أولادها وعائلتها، كانت تخفي خوفًا دائمًا من الفقد والعجز. ومع ذلك، اختارت أن تبقى السند الذي يستند إليه الجميع، حتى عندما كانت تتداعى من الداخل.
واليوم تؤمن د. ميسون الشنباري أن معركة الأكاديميين لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تبدأ بتوثيق الحكاية وحفظ الذاكرة. فحين صرخ أحد جنود الاحتلال في وجوه المهجرين قائلًا: “لن تعودوا إلى الشمال أبدًا”، أدركت أن الكتابة ليست مجرد مهنة، بل فعل مقاومة.
تجزم د. ميسون الشنباري أن الاحتلال يحاول طمس الحقائق ومحو الهوية بالقوة، بينما يملك الفلسطينيون شهادتهم الحية على ما جرى. لذلك تعتبر كل كلمة تكتبها جزءًا من معركة الدفاع عن الرواية الفلسطينية، ووثيقة تحفظ الحقيقة للأجيال القادمة، وتبقى شاهدة على ما تعرض له الفلسطينيون من تهجير وقهر ومحاولات اقتلاع من الأرض والذاكرة.






