“الناجي الوحيد”.. حكيم فلسطيني يحول فجيعته بفقد عائلته إلى كتاب يخلد الذاكرة “ولكن شيبتني الوقائع”… شهادة رجل فقد أسرته في غزة

“الناجي الوحيد”.. حكيم فلسطيني يحول فجيعته بفقد عائلته إلى كتاب يخلد الذاكرة “ولكن شيبتني الوقائع”… شهادة رجل فقد أسرته في غزة

"الناجي الوحيد".. حكيم فلسطيني يحول فجيعته بفقد عائلته إلى كتاب يخلد الذاكرة "ولكن شيبتني الوقائع"... شهادة رجل فقد أسرته في غزة
#الحماية_حق #cdmcgaza

إسلام المظلوم

لم يكن الممرض الفلسطيني سعيد أبو العيش، الشاب الغزي ذو الثلاثة والثلاثين عامًا، يفكر يومًا أن يصبح كاتبًا، كان يحلم بحياة عادية، بيت صغير في جباليا شمال قطاع غزة، ضحكات ابنتيه الصغيرتين، وقهوة مسائية تحضرها زوجته، لكن الحرب غيرت كل شيء في لحظة واحدة، خلف ملامحه الهادئة تختبئ جراح عميقة وتجارب قاسية عاشها بكل تفاصيلها، على حد قوله دفعته إلى الكتابة لمقاومة النسيان ولتكون طوق النجاة من الغرق في العزلة واليأس. 

بكتاب خطه بالدمع قبل الحبر، يوثق أبو العيش ما عايشه بين جدران مستشفى الشفاء في قطاع غزة، أثناء الحرب على غزة في عمله ليحمل عنوان “ولكن شيبتني الوقائع” ليكون ما مر به كفيل بأن يجعل الشيب يغزو روحه قبل ملامحه على حد قوله.

يقول أبو العيش: “منذ الصفحات الأولى، يفتح الكتاب الباب أمام عالم من الفواجع، أطفال تنتزع أرواحهم أمامه، أمهات يحملن أشلاء أبنائهن، ورجال يركضون لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه، المشهد اليومي في المستشفى لم يكن سوى طرقات مكتظة بالجرحى، صراخ، دماء، ووجوه محمولة على الأمل الواهن بأن يجدوا سريراً او جرعة دواء”. 

ويضيف أبو العيش في حديثه عن كتابه: “لم أكتفي بتوثيق مجزرة هنا أو قصف هناك، بل أردت أن أضع القارئ داخل نفقي الشخصي المظلم، ذلك الذي بدأ في 31أكتوبر2023م، حين فقدت 21 فرداً من عائلتي بضربة واحدة، زوجتي، بناتي، أختي وزوجها وأطفالهم، وأقاربهم من الدرجة الأولى والثانية…جميعهم رحلوا دفعة واحدة في بيتنا في جباليا، فيما بقيت الناجي الوحيد من غرفة تحولت إلى قبر جماعي”. 

يعود أبو العيش خطوة قبل القصف بلحظات، قائلاً: ” لم يكن شيء يوحي بأن النهاية قريبة، كنا نحاول أن نعيش بشكل طبيعي رغم الحرب، كانت زوجتي تحاول أن تحفظ للبيت دفئه، وبناتي يملأن المكان حركة وضحكاً، تحدثنا عن أشياء بسيطة…ماذا سنأكل؟ أين سننام الليلة؟ كيف سنقضي اليوم التالي إذا هدأ القصف قليلاً؟ كانت الحياة تمضي كأن الغد ممكن، تفاصيل صغيرة جداً كانت تمنح حياتنا معناها، واختفت في لحظة واحدة”. 

في تلك الليلة التي يصفها بالأطول والأقسى يروي تفاصيلها، قائلاً: “كان صوت الطائرات معتاداً، لكن اهتزاز الجدران لم يكن كذلك، دقائق قليلة فصلتنا عن صاروخ حول البيت إلى حفرة من نار، ويلحقه بثواني صاروخ آخر يفقدني الوعي”. 

 ويكمل أبو العيش حديثه بعد لحظات من الصمت قائلاً: ” استفقت في المستشفى ليخبروني أني الناجي الوحيد، فقدت زوجتي وابنتي في لحظة واحدة، أما أنا فنجوت لأواجه وحدة أثقل من الحرب نفسها”.

يقول أبو العيش بصوت يرتجف بين السطور:” تمنيت لو أن القصف ابتلعني معهم، تمنيت أن أكون الغائب لا الباقي، حاولت أن ألملم ما تبقي من نفسي، حتى تلقيت ضربة جديدة في يوليو 2024م، فقدت والدتي بموت مفاجئ، آخر ما تبقي لي من دفء في هذا العالم، لأجد نفسي وحيداً”.

يشير أبو العيش في حديثه: ” كتبت كتابي وسط انقطاع للكهرباء ونقص في الورق، مستعيناً بهاتفي المحمول لأسجل كل لحظة عاشتها قبل أن يبتلعها النسيان، كنت أدون فور انتهاء المشهد، لأن التفاصيل في غزة تُمحى بسرعة تحت ركام جديد، حتى تحول إلى كتاب ينقل صرخة إنسانية صادقة، ليس فقط عن عائلتي فقط بل عن العدالة ومعني النجاة وعن العالم الذي يترك الأطفال يموتون بصمت”.

يضيف أبو العيش:” لن يعيدني الكتاب إلى حياتي القديمة “ولكن شيبتني الوقائع” فهو ليس مجرد كتاب، بل هو مرآة لحياة كاملة انكسرت ووقفت من جديد، وشهادة مكتوبة بدموع شاب حمل على كتفيه ما يفوق طاقة البشر، أن يكون شاهداً على موت أحبته، وشاهداً على جرح وطنه، وشاهداً على نفسه وهو يحاول النجاة كل يوم”.

يقول أبو العيش: “اليوم لا أزال أعيش وحيداً، لكني لم أعد مجرد ناجٍ صامت، كتابي “ولكن شيبتني الوقائع” أصبح صوتي، وصوت المئات من أمثاله، مضيفاً أنه يستعد اليوم لنشره إلى النور ليكون صوتاً لمن لم يبقى لهم صوت ليحافظ على ذكريات الشهداء وينقل الواقع الحقيقي لما حدث لتكون شهادة حية للأجيال القادمة”.

 ويشير أبو العيش: “الكتاب مر بعدة مراحل منها العمل على تنقيح النصوص وإعدادها إلكترونياً والتواصل مع دور نشر خارج القطاع حتى يتمكن من نشره على الرغم من ظروف الحرب والصعوبات”.  

يضيف أبو العيش قائلاً: “اعرف أنني لن أستعيدهم لكن اريد أن أترك للعالم شيئاً يثبت أنهم كانوا هنا… أنهم عاشوا وضحكوا وماتوا ظلماً، لم أعد الشخص المنكسر الذي يسير كظل، أصبح كتابي صوتي وصوت عشرات القصص التي لم تُحك بعد، لينقل إلى العالم ما يعيشه الناس في غزة من مأساة لا تتوقف”.  

وفي ختام حديثه يقول أبو العيش: “رغم كل شيء، لا يزال في قلبي نور صغير يرفض أن ينطفئ”،مشيراً أنه يهمس في دعائه دائماً قائلاً: “يا رب، إن أبقيتني لحكمة، فامنحني القوة لأحكي عنهم، ولأكون صوتاً لا يخفت”. 

والجدير ذكره أن إحصائيات وزارة الصحة في قطاع غزة تشير أن 68ألفاً و865  شهيداً فلسطينياً، إضافة إلي 170 ألفاً و670  مصاباً، منذ 7  أكتوبر/تشرين الأول 2023م.

ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد بلغ عدد الشهداء الأطفال إثر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ7أكتوبر 2023 ولغاية 4 إبريل 2025الى حوالي 18000 طفل شهيد منهم 274 رضيعاً ولدوا واستشهدوا تحت القصف، و876 طفلاً دون عام واحد، و17 طفلاً ماتوا جراء البرد في خيام النازحين، و52 طفلاً قضوا بسبب التجويع وسوء التغذية الممنهج.

 كما أصيب 113,274جريحاً، 69% منهم أطفال ونساء، بينما لا يزال أكثر من 11,200مواطناً مفقوداً، 70% منهم من الأطفال والنساء.   

وأكد المحامي والناشط الحقوقي سعيد عبدالله أن القصة المطروحة لا تُعد مجرد سرد إنساني، بل تحمل قيمة قانونية عالية قائلاً: “فقدان أبو العيش لعائلته بالكامل نتيجة أعمال عدائية أو قصف أو عنف مسلح يُشكّل انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة المكفول بموجب المادة (3) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات جنيف الأربع، ولا سيما حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة”.

ويضيف عبد الله: “الوضع المهني للشاب كونه “حكيم” يعمل في المجال الصحي يمنحه حماية قانونية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف الطواقم الطبية”.

ويشيرعبد الله: “قصة أبو العيش الشاب الناجي الوحيد لا تمثل مأساة شخصية فحسب، بل تكشف عن انتهاكات جسيمة للحق في الحياة والحماية المكفولة للمدنيين والطواقم الطبية وفق القانون الدولي، كما أن كتابه يُعد شهادة قانونية وإنسانية حية، تُسهم في توثيق الجرائم ومنع طمس الحقيقة، وتؤكد حق الضحايا في السرد والإنصاف والمساءلة”.

تقول الكاتبة والمدربة الثقافية هدى السنداوي: ” إن الحرب الأخيرة أفرزت حالة استثنائية من الإنتاج الأدبي، داخل فلسطين وخارجها، حيث تحوّل الأدب من فعل جمالي خالص إلى فعل مقاومة وتوثيق شهادات حيّة “.

وتضيف السنداوي: “من بين هذه المنشورات اللافتة، برزت مقالات الكاتب والأديب يسري الغول، التي تناول فيها حرب الإبادة وآثارها من زاوية إنسانية عميقة، مستندًا إلى تجربته الشخصية ككاتب عاش مجاعة الشمال، فجاءت نصوصه محمّلة بوعي حاد بالتفاصيل اليومية للجوع والخوف والانكسار، كما ظهرت كتب توثيقية وسردية مثل «نزوح نحو الشمال» و«الليلة الأخيرة في غزة» التي عكست رحلة القهر القسري ومعاناة النزوح تحت النار”.  

وتشير السنداوي: “في معرض القاهرة الدولي للكتاب، حضرت إصدارات الشاعرة آلاء القطراوي: «يكلمني كنان»، «فراشي التي لا تموت»، و«خيمة في السماء»، وهي كتب وُلدت في قلب الحرب نفسها، هذه الأعمال كُتبت على تخوم الفقد، إذ فقدت القطراوي أبناءها الأربعة، فجاء نشرها بمثابة فعل إحياءٍ لذكراهم ومحاولة لزرع أسمائهم في الذاكرة الإنسانية”.  

وتضيف السنداوي: “وأصدر الشاعر الشاب حيدر الغزالي ديوانه «بينما تنهدم المدينة»، ملخّصًا تجربته بالقول إن الدفتر الذي كان ينزح معه خلال الإبادة تحوّل اليوم إلى كتاب، في إشارة مؤلمة إلى تحوّل المأساة اليومية إلى نصّ شعري شاهد على الخراب”.  

وتكمل السنداوي حديثها قائلة: “، إن غالبية الإصدارات الصادرة عن دار نشر سمير منصور خلال هذه الفترة تمحورت حول حرب الإبادة، سواء عبر الرواية أو الشعر أو القصص، لتشكّل معًا أرشيفًا ثقافيًا يوثّق الألم الفلسطيني ويصرّ على حقه في السرد”.  

وترى السنداوي أن كثافة الكتب التي وثّقت جرائم الحرب ليست مجرد ظاهرة كمية، بل ضرورة أخلاقية وتاريخية، وتقول: “هذه الأعمال لعبت دورًا مهمًا في نقل معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم، ليس عبر الأرقام والتقارير فقط، بل عبر الإنسان نفسه: صوته، خوفه، فقده، وحلمه بالحياة”.  

وتضيف السنداوي: “أن قوة هذه الكتب تكمن في صدقها، إذ كُتبت معظمها من داخل التجربة نفسها، لا من خارج الحدث، ما يمنحها مصداقية عالية ويجعلها قادرة على نقل الحقيقة كما هي، بلا تزييف أو وساطة”. 

وتختم السنداوي: “الأدب هنا تحوّل إلى وثيقة أخلاقية وإنسانية تحفظ الذاكرة الجماعية، وتعيد تعريف القضية الفلسطينية كقضية إنسانية عالمية، لتبقى هذه النصوص لاحقًا مراجع وشهادات تاريخية لا يمكن تجاوزها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى