نيلي المصري تروي انتقالها القسري إلى صحافة الحرب

 دعاء برهوم – غزة

“كنت أستعد لتوثيق مباراة بين الأهلي الفلسطيني وشباب رفح على ملعب اليرموك في غزة، يوم السابع من أكتوبر 2023… تخيلت لحظة تسجيل الهدف، والهتاف الذي يملأ المدرجات. لكن كل شيء تبدّد… وتوقفت الحياة.” بهذه الكلمات، تستعيد الصحافية الرياضية نيلي المصري لحظة التحوّل. قبل أن يطلق الحكم صافرة البداية، دوّت الانفجارات، وتبدّلت مشاهد الفرح إلى دماء ونزوح.

تقول: “منذ عام 2001 ارتبطت بالصحافة الرياضية، تنقلت بين الملاعب لتوثيق المباريات وصيحات الجماهير. لكن قلبي ارتجف عندما رأيت الملاعب التي كانت مساحات للفرح قد تحولت إلى خيام للنازحين، وحكايات ألم لا تنتهي.”

مع اندلاع الحرب، توقفت نيلي مرغمة عن العمل. النزوح المتكرر برفقة والديها المسنين، وانقطاع الكهرباء والاتصالات، فرض واقعًا جديدًا. وبعد ستة أشهر، عادت… لكن بزاوية مختلفة. لم تعد تلاحق الأهداف، بل توثق وجع الناس.

بصوت مثقل بالحزن، تقول: “شعرت بالقهر عندما بدأت أوثق القصص الإنسانية في مكاني المفضل الذي فقد هويته. كل زاوية كانت تحمل ذكرى جميلة، واليوم دموع الأمهات تروي حجم المعاناة.”

 

في محاولة لخلق مساحة إنسانية وسط هذا الواقع، كانت تستعيد مع الأمهات ذكريات المباريات، للهروب من قسوة الحاضر. “كنت أحاول أن أصنع فسحة فرح وسط الوجع”، تقول، قبل أن تضيف: “لكن حين يصل خبر استشهاد زميل صحفي أو رياضي، أفقد توازني ولا أستطيع الاستمرار.”

تصف تجربتها بأنها “حرب مرتين”: الأولى عايشتها بالنزوح والجوع وانقطاع الكهرباء وشح المياه، والثانية حين وثّقت قصص الرياضيين. “لم أتمالك نفسي حين كتبت عن زميلي سليمان العبيد… استشهد وهو يبحث عن الطحين لأطفاله. احتجت ثلاثة أسابيع لأكتب قصته، لم أستطع النوم، كنت أشعر أنني أشاهد فيلم رعب.”

تحوّل عملها من تغطية مباريات لا تتطلب سوى كاميرا، إلى توثيق يومي تحت القصف، دون أدوات حماية كافية. “الملاعب لم تكن مكان خطر… لم أكن أحتاج إلى خوذة أو درع. اليوم، أعمل في الميدان دون حماية حقيقية.”

ورغم ذلك، تحاول تقليل المخاطر. “أُنجز مهمتي بسرعة وأعود إلى مكان النزوح، وأصطحب زميلة معي أثناء العمل بين الخيام. الخطر في كل مكان، وأعمل بحذر رغم القلق الدائم.” لكن أدوات السلامة، كما تقول، لم تكن كافية لحماية الصحفيين، “فقد استشهد كثيرون وهم يرتدونها”.

 

وبحسب بيانات وتقارير صادرة عن نقابة الصحفيين الفلسطينيين، يعمل الصحفيون في قطاع غزة في بيئة بالغة الخطورة، مع تصاعد الاستهداف المباشر لهم، وغياب الحد الأدنى من معايير الأمان والسلامة المهنية. وتشير التقارير إلى أن عددًا كبيرًا من الصحفيين فقدوا حياتهم خلال التغطيات، فيما يواصل الآخرون العمل تحت تهديد دائم، في ظل تدمير المؤسسات الإعلامية وصعوبة الوصول إلى أماكن آمنة.

كما تؤكد النقابة أن الصحفيين يعيشون حالة توتر مستمرة، نتيجة التغطية اليومية لمشاهد العنف والفقد، إلى جانب معايشتهم الشخصية للحرب، ما يضاعف من الأعباء النفسية والمهنية. وفي ظل غياب الدعم الكافي، يتحول العمل الصحفي إلى تجربة استنزاف دائم، تتداخل فيها المهنة مع البقاء.

في هذا المشهد، لم تعد الصحافة بالنسبة لنيلي مجرد تغطية رياضية، بل شهادة على واقع يتغير بالقوة، حيث تتحول الملاعب من مساحات للفرح إلى خيام، وتتحول الكاميرا من أداة توثيق للانتصار… إلى وسيلة لرواية الألم.

انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.

ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى