حماية أم إقصاء؟ صحفيات غزة بين خطر الميدان ووصاية “الحرص
آية أبو خوصة – عزة
بينما كانت أصوات الانفجارات تهز أرجاء مدينة غزة، كانت الصحفية شروق حرارة تتحسس خوذتها وسترتها الصحفية بانتظار إشارة الانطلاق إلى الميدان. لكن الإشارة لم تأتِ.قرار العائلة والمحيط الاجتماعي كان واضحًا: “ابقَي في مكان آمن لحمايتكِ”. خلف هذا القرار، الذي يبدو في ظاهره حرصًا على السلامة، تتوارى قصة إقصاء غير مباشر تعيشه عشرات الصحفيات في غزة؛ حيث لا يقتصر “المنع” على المؤسسات الإعلامية، بل يمتد إلى الضغوط العائلية والاجتماعية، ليتحول خطاب “الحماية” إلى قيد مهني يمس حق النساء في العمل والمساواة، ويضع الصحفيات أمام سؤال ثقيل: هل نحن محميات أم مستبعدات؟
في الميدان، لم يكن الرصاص وحده العائق. تصف الصحفية تهاني حمد واقعًا من “الإقصاء غير المباشر” فرضه فقدان الأدوات والمعدات. فمع تدمير معدات التصوير في الأيام الأولى للحرب، لم تكن الخسارة مادية فقط، بل تحولت – كما تقول – إلى “حكم بالتوقف” في ظل غياب أي تعويض مؤسسي.
وتضيف بمرارة: “ما شفت منهم شي”، مشيرة إلى أن تمارين التنفس التي تعلمتها عبر الإنترنت كانت وسيلتها الوحيدة لمواجهة ما تصفه بـ”الألم الصامت”. هذا العجز اللوجستي يتقاطع مع ما تصفه الباحثة في قضايا المرأة د. نورا زقوت بـ”الحصار المركب” الذي تعيشه الصحفيات، حيث يتداخل النزوح وانهيار البنية التحتية مع الضغوط النفسية، ليصبح الخروج إلى الميدان قرارًا يتجاوز البعد المهني إلى تعقيدات البقاء اليومي.
في شمال غزة، خاضت الصحفية نور رائد تجربة قاسية بعد تعرضها لإطلاق نار مباشر من طائرة “كواد كابتر”.
ورغم قناعتها بأن الانسحاب كان ضرورة للسلامة، إلا أن الأثر النفسي بقي حاضرًا، ما دفعها لإعادة ترتيب أولوياتها المهنية، واضعة السلامة الشخصية فوق كل اعتبار.
وتقول إن هذا الانسحاب “ليس ضعفًا، بل انعكاس لواقع يفتقر إلى بروتوكولات حماية حقيقية”. أما الصحفية شروق حرارة، فتجسد صراع “الأدوار المركبة”. بين مشاهد الجثث والمصابين التي “تحرق القلب”، وضغوط العائلة التي تمنعها من النزول إلى الميدان “بدافع الخوف”، تعيش تناقضًا داخليًا دائمًا.
تقول: “كنت أتقبل وما أطلع، بس بيكون جواتي غصّة”. هذه “الغصة”، كما تصفها، هي التعبير الأدق عن الإقصاء الناعم، حيث تتقلص الفرص المهنية تحت وطأة المسؤوليات الأسرية والوصاية الاجتماعية، ما يولد شعورًا بأن ما تبنيه الصحفية “ينهدم بسبب ظروف ليست بيدها”.
وتروي الصحفية وردة تجربة مشابهة، إذ مُنعت في بداية الحرب من العمل الميداني بسبب خطورة المنطقة، قبل أن تعود تدريجيًا.
وتقول: “الصحفيات بيواجهوا تمييز وتقييد حركة، وأحيانًا عمل في أماكن محددة”.
ورغم محاولات بعض المؤسسات الموازنة بين السلامة والعمل، يبقى التحدي الأكبر هو التوفيق بين المهنة والواقع اليومي. تضيف:
“مش دايمًا بوازن… عندي أولوية لشغلي، بس برضه لازم أراعي عيلتي”.
وبحسب تقارير صادرة عن نقابة الصحفيين الفلسطينيين، يعيش الصحفيون في قطاع غزة واحدة من أخطر البيئات المهنية في العالم، في ظل الاستهداف المباشر، وتدمير المؤسسات الإعلامية، وغياب الحد الأدنى من الحماية والسلامة المهنية. وتشير النقابة إلى أن مئات الصحفيين اضطروا للنزوح المتكرر والعمل في ظروف قاسية، وسط انقطاع الكهرباء والاتصالات ونقص المعدات الأساسية، ما جعل التغطية اليومية تتم تحت تهديد دائم بالموت أو الإصابة.
وتؤكد النقابة أن الصحفيين في غزة لا يواجهون فقط مخاطر الميدان، بل يعيشون أيضًا ضغوطًا نفسية وإنسانية متواصلة، في ظل فقدان الأمان على حياتهم وحياة عائلاتهم، واستمرار العمل وسط القصف والمجاعة والانهيار الإنساني. كما تشير إلى أن استهداف الصحفيين ومقار عملهم خلق حالة توتر مزمنة دفعت كثيرين للعمل في ظروف تفتقر إلى أي ضمانات مهنية أو نفسية.
على المستوى المؤسسي، ترى علا كساب، عضو الأمانة العامة في نقابة الصحفيين، أن ما جرى خلال الحرب لا يمكن وصفه كتراجع في مشاركة الصحفيات، بل “تحول في الأدوار”، حيث دفعت المخاطر الأمنية العديد منهن نحو أشكال تغطية أكثر أمانًا.
وتضع كساب معايير واضحة للتمييز بين “الحماية” و”الإقصاء”، مؤكدة أن القرار يكون مبررًا عندما يستند إلى تقييم خطر حقيقي، وتكون الصحفية شريكة فيه، مع توفير بدائل مهنية عادلة. أما في غياب هذه الشروط، فـ”نحن أمام تمييز غير معلن”.
كما تشير إلى أن النقابة حاولت سد فجوة الدعم من خلال برامج تدريبية ومبادرات لوجستية، إلا أن حجم الاحتياج خلال الحرب يفوق بكثير ما هو متاح.
في المقابل، يرى المحاميان عبد الله شرشرة وفوزي أبو شحادة أن ما يُطرح بوصفه “حماية” قد يتحول في كثير من الحالات إلى شكل من أشكال التمييز غير المباشر. ويوضح شرشرة أن المنع بدافع الحماية يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى قيد عام يستهدف النساء دون تقييم فردي للمخاطر، أو عندما يقوم على افتراضات مسبقة مرتبطة بضعف المرأة.
أما أبو شحادة، فيؤكد أن منع الصحفية من التغطية الميدانية بينما يُسمح لزميلها الرجل بالعمل في الظروف ذاتها، يُعد تمييزًا قائمًا على النوع الاجتماعي، خاصة عندما يتم استبدال إجراءات السلامة المهنية بسياسة “المنع” كحل بديل.
وفي السياق الأوسع، تفرض اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” التزامات واضحة لضمان المساواة الفعلية في بيئة العمل، بما يشمل منع التمييز المباشر وغير المباشر، وتوفير بيئة عمل آمنة وآليات إنصاف فعالة.
لكن الإشكال لا يقف عند البعد القانوني، بل يمتد إلى الأثر النفسي العميق لهذه الممارسات. فبحسب شرشرة، يُصنف الأذى النفسي الناتج عن الإقصاء المهني كأحد أشكال الضرر غير المادي المرتبط بالتمييز، خاصة عندما يؤدي إلى تقويض الكرامة المهنية وخلق بيئة عمل عدائية.
في نهاية المطاف، لا تبحث الصحفية في غزة عن استثناءات أو “دلال” أمني، بل عن حقها في صياغة الرواية بقرارها المستقل.
فحين تتحول “الحماية” إلى قيد، لا تحمي أجساد الصحفيات بقدر ما تغتال حضورهن المهني، وتُفرغ الميدان من رؤية نسوية لا يمكن للعدسة الذكورية وحدها أن تنقل تفاصيلها. لتبقى المعادلة قائمة: السلامة ضرورة، لكنها حين تُفرض كشرط للإقصاء، تتحول من درع يحمي الصحفية إلى جدار يعزلها عن الميدان.
انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.
ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.






