
صحفيو غزة بين الاستهداف الميداني والابتزاز الرقمي
خديجة مطر – غزة
في قطاع غزة، لا يواجه الصحفيون خطر القصف وحده، بل يخوضون حربًا مركبة تمتد من الميدان إلى الفضاء الرقمي، حيث تتداخل التهديدات المباشرة مع أشكال أكثر خفاءً من الابتزاز والتحريض. في هذا الواقع، يصبح الأمان الرقمي والوعي المهني ضرورة لا تقل أهمية عن معدات الحماية، كخط دفاع أساسي لضمان استمرار نقل الحقيقة.
في شهادة من قلب الميدان، تستعيد الصحفية والمصورة سلمى القدومي (35 عامًا)، العاملة مع وكالات محلية ودولية، تفاصيل لحظة تحولت فيها التغطية إلى مواجهة مباشرة مع الموت. تقول: “في 18 أغسطس 2024، كنا نغطي حالات النزوح في منطقة حمد شمال خانيونس، وفجأة تعرضنا لإطلاق نار كثيف واستهداف مباشر”.
أُصيبت القدومي بشظية في الظهر، فيما أُصيب زميلها إبراهيم محارب في قدمه، وزميل آخر في يده. تضيف: “كنا نعتقد أن ارتداء الدرع الصحفي يمنحنا شيئًا من الحماية، لكنه لم يمنع استهدافنا”.
تتوقف قليلًا، قبل أن تكمل بصوت مثقل: “في تلك اللحظة تغير كل شيء… حاول إبراهيم الجري، لكنه سقط أرضًا. حاولنا حمله والابتعاد، لكن الدبابات تقدمت وواصلت إطلاق النار بشكل كثيف لمحاصرتنا”.
نجت المجموعة، لكنهم فقدوا الاتصال بزميلهم إبراهيم. وفي اليوم التالي، عُثر عليه شهيدًا. تقول: “فقدته أمام عيني… كانت لحظة لا يمكن استيعابها”.
لم تكن هذه الحادثة مجرد تجربة ميدانية، بل تركت أثرًا نفسيًا عميقًا. تؤكد القدومي أن الخوف تضاعف لديها، خاصة أثناء التغطيات أو التجمعات، لكنها في المقابل أصبحت أكثر وعيًا بإجراءات السلامة، مثل تقييم المخاطر والتواصل المستمر مع غرفة الأخبار واستخدام ما يتوفر من معدات حماية.
ورغم ذلك، تشير إلى أن الخطر لا يتوقف عند حدود الميدان، بل يمتد إلى أماكن يفترض أنها آمنة. تقول: “حتى خيام الصحفيين أو مواقع عملهم في المستشفيات لم تكن بمنأى عن الاستهداف، خاصة في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، ما يضطرنا للعمل من داخلها بعيدًا عن عائلاتنا”.
وتضيف أن غياب المعايير الواضحة للحماية يزيد من هشاشة الوضع، مشيرة إلى أنها تعرضت للإصابة أربع مرات خلال العدوان، رغم التزامها بإجراءات السلامة.
إلى جانب الخطر الميداني، تواجه الصحفية أنغام يوسف (30 عامًا) تهديدًا مختلفًا، لكنه لا يقل خطورة. تروي تجربتها مع الاختراق الرقمي، قائلة: “تعرضت لاختراق هاتفي، وتم استخدام حساب واتساب عبر مقدمة إسرائيلية بدلًا من الفلسطينية، ما أدى إلى سرقة أموال من حساباتي البنكية ومحفظة إلكترونية تجاوزت قيمتها 4000 دولار”.
لكن الضرر لم يكن ماليًا فقط. تشير أنغام إلى أن الهدف كان أبعد من ذلك، حيث جرى توظيف الاختراق في محاولة لابتزازها وتشويه سمعتها، من خلال إلصاق تهمة العمالة بها، ما أثار حالة من القلق والخوف في محيطها الاجتماعي.
تقول: “فجأة فقدت السيطرة على حساباتي، وخسرت فرص عمل، وأرقام هواتف، وكل وسائل التواصل. وجدت نفسي في عزلة تامة، يسيطر عليّ الخوف والقهر”.
وتضيف أن التجربة تركت أثرًا نفسيًا طويل الأمد، إذ عانت من القلق والخوف المستمرين لأكثر من عام، إلى جانب شعور بالارتباك والخجل، خاصة مع الخشية من التعرض لأي مساءلة أمنية.
ورغم ذلك، استطاعت أنغام تجاوز التجربة نسبيًا، عبر رفع مستوى الوعي الرقمي لديها، والعمل على توعية محيطها من الزملاء والأقارب، مؤكدة أهمية استخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل التحقق الثنائي، وعدم مشاركة المعلومات الشخصية مع جهات غير موثوقة.
وبحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين، يعمل الصحفيون في قطاع غزة في واحدة من أخطر البيئات الإعلامية في العالم، حيث بلغ عدد الشهداء منذ السابع من أكتوبر أكثر من 260 صحفيًا، في رقم غير مسبوق عالميًا، إضافة إلى إصابة أكثر من 500 صحفي واعتقال العشرات، إلى جانب التدمير شبه الكامل للمؤسسات الإعلامية.
ويؤكد أمين سر النقابة عاهد فروانة أن غياب معدات الحماية الأساسية، ومنع إدخالها، ساهم بشكل مباشر في ارتفاع عدد الضحايا، مشيرًا إلى أن الصحفيين يضطرون للعمل بإمكانات محدودة، في ظل قيود مشددة على إدخال الخوذ والدروع وأجهزة الاتصال.
كما يشير إلى أن الصحفيين لا يواجهون فقط خطر القصف، بل يعيشون أيضًا ظروف نزوح ومجاعة، ما يدفع كثيرين إلى الابتعاد عن عائلاتهم خشية تعريضهم للخطر، في واقع يعكس استهدافًا مركبًا للحياة المهنية والشخصية.
وفي الجانب الرقمي، تلقت النقابة عشرات الشكاوى المتعلقة بانتهاكات إلكترونية، من اختراقات وابتزاز، إلى حملات تضليل وحذف حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، في سياق يهدف إلى ترهيب الصحفيين ومحاولة إسكات أصواتهم.
في هذا المشهد، لا يعود الصحفي الفلسطيني مجرد ناقل للحدث، بل يصبح شاهدًا على واقع متعدد المخاطر، يواجه فيه القصف في الميدان، والاختراق في الفضاء الرقمي، والضغط النفسي المستمر في حياته اليومية.
وبين الوعي والحذر، ومحاولات التكيف مع بيئة متقلبة، تتشكل ملامح عمل صحفي مختلف، حيث تصبح السلامة المهنية والرقمية شرطًا للبقاء، ويغدو الاستمرار في نقل الحقيقة فعلًا يتجاوز المهنة… إلى مواجهة مفتوحة مع الخطر.
انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.
ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.






