صحفيات غزة يكتبن الحقيقة تحت النار

 أنغام يوسف – غزة

في دقائق كانت كفيلة بنقل الحقيقة، انقطع المشهد. غابت الكاميرا قبل أن تصل الصورة إلى العالم، وغابت معها الصحفية مريم أبو دقة، تاركة خلفها زملاء الميدان، وثقل الفقد، وأسئلة لا تهدأ.

مريم، المصورة الصحفية (34 عامًا)، عملت مع وكالة أسوشيتد برس (AP)، ووثّقت أحداث الحرب في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، حتى لحظة استهدافها في 25 أغسطس 2025، حين قُتلت مع زملاء آخرين بقذيفة دبابة، وفق تحليل خبير الأسلحة إن آر جنزن جونز، أثناء تغطيتهم استهداف فريق الدفاع المدني قرب مستشفى ناصر في خانيونس.

تقول الصحفية سماهر فرحان، العاملة في إنتاج المواد الإعلامية: “كانت لحظة الاستهداف جزءًا من خيال لا يستوعبه العقل”. تضيف أن الهلع سيطر على الجميع، بينما وثّق الزملاء الحدث على الهواء، وسط صراخ وذهول.

وتتابع: “مريم كانت من أوائل من وصلوا لتغطية الاستهداف الأول… لكن الزمن سبقنا، وتم استهداف من وصل من الزملاء. ما عايشناه كان استهدافًا مهنيًا ونفسيًا واجتماعيًا”.

تستعيد سماهر حضور مريم، تقول إنها ما زالت تشعر بوجودها في التفاصيل، “كانت تعمل بحذر ومهنية”، مضيفة أن من استهدفها “كأنه مجرد من الإنسانية”، وأن استهداف الصحفي الفلسطيني هو محاولة لقتل عزيمته.

“خسرنا كل شيء… إلا إنسانيتنا”، تقول، مؤكدة أن فقدان مريم دفعهم للتمسك أكثر بالاستمرار، رغم الانكسار. لكنها تعترف أنها توقفت عن العمل لأشهر، تحت وطأة الصدمة النفسية بعد استشهاد زملائها.

تطالب سماهر المؤسسات المعنية بحماية الصحفيين بتحمل مسؤولياتها، وتوفير الحد الأدنى من الحماية والدعم، مشيرة إلى أن الصحفيين في غزة يعملون بإمكانات محدودة، رغم أنهم “بشر لهم أرواح وعائلات”.

ولا يتوقف الثقل عند الميدان، بل يمتد إلى الحياة اليومية. تتحدث عن فقدان الصحفيات لحياتهن الاجتماعية، في ظل تداخل الأدوار بين العمل والأسرة، ومعاناة النزوح، والضغط النفسي المستمر.

رفيقة مريم في الميدان، الصحفية ولاء أبو جامع، تستعيد لحظة الفقد: “عندما سمعت عن استهداف الصحفيين، لم أفكر إلا بمريم… كنت أردد: يا رب لا تكون معهم”.

لكنها كانت بينهم. تقول ولاء إن مريم كانت حريصة على توثيق الحقيقة، وإن استهدافها يعكس محاولة “طمس الرواية”. وتتساءل: “ماذا يريد العالم أن يرى أو يسمع كي يتضامن معنا؟”.

وتصف ما تعيشه من أثر نفسي بعد فقدان زميلتها: “مررت بحالة اكتئاب وفقدان شغف… ما رأيناه من جثث وأشلاء وأطفال، يجعل الميدان غريبًا عنك، لكن صوتًا داخليًا يقول: لا تستسلمي”.

وتضيف أن الصدمة لا تتوقف عند لحظة الفقد، بل تمتد إلى القلق والتبلد، وتلاحق الصحفيات في تفاصيل حياتهن اليومية، حتى في النوم.

وبحسب بيانات وتقارير صادرة عن نقابة الصحفيين الفلسطينيين، يعمل الصحفيون في قطاع غزة في واحدة من أخطر البيئات في العالم، حيث يتعرضون لاستهداف مباشر ومتكرر، مع غياب الحد الأدنى من الحماية والسلامة المهنية. وتشير التقارير إلى أن عددًا كبيرًا من الصحفيين فقدوا حياتهم خلال التغطية، فيما يواصل الآخرون العمل تحت تهديد دائم، وسط تدمير المؤسسات الإعلامية وصعوبة الوصول إلى أماكن آمنة.

كما تؤكد النقابة أن الصحفيين، ومن بينهم الصحفيات، يعيشون حالة توتر دائم وخطر مستمر، نتيجة التغطية اليومية لمشاهد العنف والفقد، إلى جانب معايشتهم الشخصية للحرب، ما يضاعف من الأعباء النفسية والمهنية، في ظل غياب الدعم الكافي أو فرص التعافي.

وسط هذا الواقع، لا يصبح العمل الصحفي مجرد مهنة، بل معركة يومية بين البقاء والرسالة. وبين الفقد والاستمرار، يبقى السؤال معلقًا: كم صحفيًا يجب أن يفقد العالم… حتى يرى الحقيقة؟

انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.

ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى