
أنا لا أُغطي الحرب… أنا أعيشها”: ناهد أبو هربيد بين المهنة والفقد في غز
إسلام المظلوم – غزة
لم تكن الصحافية ناهد أبو هربيد تعلم، وهي تقف أمام الكاميرا لتغطية أحداث الحرب على قطاع غزة، أنها ستتحول في لحظةٍ ما من ناقلةٍ للخبر إلى جزءٍ منه… بل إلى قلب المأساة ذاتها.
على الهواء مباشرة، قرأت خبر استشهاد شقيقها، قبل أن تنهار بالبكاء. وبعد شهرين فقط، تكرر المشهد، لكن هذه المرة مع خبر اعتقال شقيقها الآخر مبتور القدمين. مشهدان يختصران قسوة التجربة التي تعيشها مراسلة قناة الكوفية، حيث تختلط المهنية بالفقد، وتتماهى الرسالة الشخصية مع الواجب الصحفي.
تحاول ناهد أن تصف ما لا يُوصف، فتقول: “كيف أصف شعوري؟ أنا لا أصف… أنا أعيش نزيفًا يوميًا. أن تفقدي عائلتكِ ويُطلب منكِ في اليوم ذاته أن تمسكي الميكروفون وتقولي: نحن بخير… هذه قسوة لا تُحتمل. أنا لا أُغطي الحرب، أنا واحدة من ضحاياها، أتنفسها، وأبتلع وجعها كل يوم”.
بهذه الكلمات، تختصر الصحافية الشابة تجربتها، حيث تلاشت المسافة بين الصحفي والضحية، وباتت الكاميرا شاهدًا على وجعٍ شخصي قبل أن تكون أداة لنقل الحقيقة.
كانت ناهد تقيم في مدينة غزة، بينما بقيت عائلتها في بيت حانون شمال القطاع. ومع تصاعد القصف واشتداد الأحزمة النارية في منطقة تل الهوى، بدأت رحلة نزوح قاسية لا تزال مستمرة حتى اليوم.
لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاعًا كاملًا من الذات. تقول: “أصعب نزوح كان حين خرجتُ وأنا أدرك أنني لن أعود كما كنت. لم أحمل معي شيئًا، لا صورًا ولا ذكريات… فقط وجعًا ثقيلًا. كنت أمشي وكأنني أترك خلفي عمري كله، وأمضي نحو المجهول بلا قلب”.
تروي ناهد تفاصيل مرحلة نزوحها إلى مستشفى القدس، حيث بقيت هناك خمسين يومًا بين آلاف النازحين: “لم أكن قادرة على التغطية، الاتصالات كانت شبه معدومة. عشت واحدة من أشد التجارب قسوة. المكان لم يكن يحتمل كل هذا الألم… صرخات، دموع، وجوه منهكة. كنت أكتب التقارير بيد، وأمسح دموعي باليد الأخرى. هناك… الإنسان داخلي كان يحتضر”.
وتضيف: “لم أعد أعرف إن كانت مهمتنا أن نُواسي الناس… أم أن ننقل مأساتهم للعالم”.
لاحقًا، تنقلت بين عدة مناطق، من المغازي إلى مستشفى شهداء الأقصى، محاولة الاستمرار في عملها رغم الظروف الإنسانية القاسية، وقلقها المستمر على عائلتها التي بقيت في الشمال.
لكن اللحظة الأكثر قسوة، كما تقول، كانت حين اضطرت لإعلان استشهاد شقيقها على الهواء مباشرة: “لم أكن أقرأ خبرًا… كنت أقرأ نعيًا لجزءٍ مني. شعرت أن صوتي يخونني، وأن الهواء يضيق في صدري. أردت أن أصرخ كأخت، لكنني بقيت صامتة كصحفية”.
وتضيف: “أعلنت خبر استشهاد شقيقي محمد أثناء محاولته الحصول على الدقيق من شاحنات المساعدات في ظل المجاعة شمال القطاع. كما أُصيب شقيقي رافع، واعتُقل لاحقًا بعد أن جُرد من أطرافه الصناعية. ولا نزال نجهل مصير شقيقي إيهاب حتى اليوم”.
لم تكن هذه الخسارة وليدة هذه الحرب فقط، إذ عاشت ناهد تجربة مشابهة في عام 2008، حين أعلنت استشهاد شقيقها الأكبر محمود ضمن مجزرة استهدفت مئات من أفراد الشرطة.
ورغم فقدان معداتها، لم يتوقف صوتها. تقول: “شعرت أن صوتي يُسرق مني، لكن الحقيقة كانت أعلى من كل شيء. صورت بهاتفي المكسور، وسجلت بصوتي المرتجف… لأن الصمت كان موتًا آخر”.
وتعرضت ناهد لتهديدات مباشرة، لكنها لم تتراجع. “كانت الرسائل تقول: اصمتي أو نكسر ما تبقى منكِ… لكن ماذا بقي أصلًا؟ الخوف الحقيقي كان أن أتوقف، أن أخون قصتي وقصة من رحلوا”.
وترى أن ما يجري يتجاوز كل ما عرفته من حروب: “في السابق كنا نخاف القصف… اليوم نخاف أن نُمحى بالكامل، أن نصبح مجرد رقم بلا اسم. هذه ليست حربًا فقط، بل محاولة لمحو الحكاية نفسها”.
وتتحدث من موقع يتجاوز الصحافة: “أن أكون أختًا لشهيدين يعني أنني أحمل قبرين في صدري… وأن يكون لي أسير وجريح، يعني أن وجعي لا يتوقف”.
وبمرارة واضحة، تشير إلى موقف العالم: “المؤسسات الدولية تراقبنا ونحن ننكسر… بياناتهم باردة، كأنها لا ترى الدم. بينما يعيش أهل غزة الألم، يقف كثيرون في موقع المتفرج”.
ورغم كل ذلك، لا تزال ناهد تقف أمام الكاميرا. تقول بإصرار: “أستمر لأن التوقف يعني أن يموتوا مرتين… مرة حين فقدناهم، ومرة حين نصمت عنهم. الاستمرار بالنسبة لي ليس خيارًا مهنيًا، بل وفاء”.
وتختم رسالتها للعالم بكلمات بسيطة لكنها ثقيلة: “نحن لا نطلب شفقة… نطلب أن ترونا كبشر. خلف كل رقم قصة. نحن لا نموت فقط… نحن نُنسى، وهذا أقسى من الموت”.
في قراءة قانونية لهذه الشهادة، يقول المحامي والناشط الحقوقي سعيد عبد الله إن حالة ناهد تعكس تداخلًا خطيرًا بين صفة “الصحفي” و”الضحية”.
ويوضح: “نحن أمام حالة تحمل فيها ناهد صفتين قانونيتين متداخلتين؛ فهي مدنية محمية بموجب اتفاقيات جنيف، وفي الوقت ذاته صحفية تتمتع بحماية خاصة يكفلها القانون الدولي لحرية الرأي والتعبير”.
ويضيف أن ما تكشفه هذه الشهادة يمثل انهيارًا للحاجز بين الصحفي والضحية، وهو أمر بالغ الخطورة قانونيًا، لأنه يعكس فشلًا في ضمان الحماية الخاصة للصحفيين، الذين يجب ألا يكونوا أهدافًا مباشرة للأعمال العدائية.
وفيما يتعلق بفقدان أفراد من عائلتها، يشير إلى أن ذلك يثير شبهة انتهاك جسيم للحق في الحياة، موضحًا أنه إذا ثبت أن هذه الوفيات نتيجة استهداف مباشر أو غير متناسب، فقد يرقى ذلك إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في حال كان ضمن نمط واسع أو منهجي.
أما بشأن النزوح، فيؤكد أن وصفه كاقتلاع من الذات يتقاطع مع مفهوم التهجير القسري المحظور دوليًا، إلا في حالات ضيقة.
وفي سياق التهديدات، يشدد عبد الله على أن استهداف الصحفيين لإسكاتهم يُعد انتهاكًا صارخًا لحرية الصحافة، وقد يرقى إلى اضطهاد قائم على أساس مهني، إلى جانب كونه انتهاكًا للحق في الأمان الشخصي.
ويختم بالإشارة إلى أن الصمت الدولي لا يمكن تبريره، في ظل وجود التزام قانوني واضح بضمان احترام القانون الدولي الإنساني، وليس الاكتفاء بالمراقبة.
في غزة، لم تعد الصحافة مجرد مهنة… بل شهادة على الألم، وصراع يومي للبقاء، ومحاولة مستمرة لانتزاع الحقيقة من قلب المأساة.
انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.
ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.





