
حرب لا تُرى: صحفيات غزة بين صدمة الميدان وغياب الدعم النفسي
هبة أبو عقلين – غزة
خلف ما توثقه الصحفيات في قطاع غزة من صور الدمار والدم، تتشكل حرب أخرى صامتة داخل أجسادهن وعقولهن. فعلى مدار أكثر من عامين منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تكن الصحفيات مجرد ناقلات للخبر، بل أصبحن جزءًا من الحدث، يعشن النزوح والفقد والمجاعة، تحت قصف لا يهدأ، فيما يواجهن تبعات نفسية متراكمة في ظل غياب شبه كامل للدعم المؤسسي.
في هذا الواقع، تتحول المهنة إلى اختبار يومي للبقاء. نوبات هلع، اضطرابات نوم، وإرهاق نفسي مزمن، ترافق الصحفيات اللواتي يواصلن العمل رغم كل شيء، بينما تظل مساحات التعافي محدودة أو غائبة.
تروي الصحفية منى بكر، المراسلة المستقلة العاملة مع إذاعة BBC News Arabic، تجربة تختصر هذا التداخل بين المهني والشخصي. تقول إن العمل تحت القصف المستمر، إلى جانب القلق على أطفالها الأربعة، خلق حالة دائمة من التوتر:
“كنت أتنقل بين مواقع التغطية، لكن الخوف لم يفارقني، خاصة عندما أرى الشهداء وأسمع صراخ الأمهات… هذه المشاهد تلاحقني حتى أثناء النوم”.
تستعيد منى أحد أصعب أيامها في 8 يونيو 2024، خلال عملية عسكرية في مخيم النصيرات وسط القطاع، حيث كانت نازحة في المنطقة ذاتها. “كان إطلاق النار عشوائيًا وقريبًا منا… شعرت أنني أمام خيارين: أواصل التغطية أو أحمي أطفالي”، تقول، مضيفة أنها اختارت مغادرة المكان تحت وطأة الخوف.
تجربة الصحفية لينا سكيك لا تقل قسوة. عملت كمراسلة ومحررة، ووجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الخطر في أكثر من موقف. تتذكر حصارها في بداية 2024 وسط انقطاع الأخبار والمجاعة، لكن اللحظة الأشد تأثيرًا كانت أثناء إعداد قصة في منطقة الجلاء. “كان الرصاص يمر فوقي، والقذائف تسقط حولي، اضطررت لإلغاء البث المباشر والاكتفاء بالصوت”، تقول.
وتضيف: “رأيت سيارة تُقصف أمام المستشفى الأردني، واحترق من فيها أمام عيني. عدت إلى المنزل وأنا أعاني ألمًا جسديًا من شدة الخوف، وأصبح نومي متقطعًا، أستيقظ على أصوات صواريخ لا وجود لها إلا في ذهني”.
ورغم هذا الضغط، كثير من الصحفيات يترددن في طلب الدعم النفسي. تشير الأخصائية النفسية نور أبو خليفة، التي عملت مع عدد من الصحفيات في غزة، إلى أن هذه الفئة من أكثر الفئات حاجة للدعم، “لأنهن شهود عيان يوثقن العنف بشكل مباشر”.
وتوضح أن كثيرًا من الصحفيات ينكرن حاجتهن للمساعدة في البداية، بدافع الالتزام المهني أو التماسك، “لكن مع بدء الجلسات، يكتشفن حجم الضغط المكبوت، ويندمن على تأجيل العلاج”. وتؤكد أن نوبات الهلع والقلق المزمن ردود فعل طبيعية في ظل هذا الواقع، داعية إلى اعتماد جلسات دعم نفسي منتظمة لتفريغ الضغوط.
في المقابل، يشير الواقع إلى ضعف دور المؤسسات الإعلامية في هذا الجانب. تقول منى بكر إن الدعم النفسي لم يبدأ إلا بعد فترات تهدئة، بينما تُركت الصحفيات وحيدات خلال ذروة الحرب. كما تؤكد لينا سكيك أنها لم تتلقَّ أي دعم نفسي حتى الآن.
ورغم إشادة منى ببيئة العمل الإنسانية لفريقها، الذي شدد على أولوية السلامة، إلا أن الواقع الميداني فرض معادلات مختلفة.
وتضيف: “الخوذة والدرع لم يعودا وسيلة حماية، بعد أن رأينا زملاء يُستهدفون وهم يرتدونها… أحيانًا أشعر أن عدم ارتدائها قد يكون أكثر أمانًا”.
من جانبها، تؤكد الخبيرة الحقوقية د. سامية الغصين أن ما تتعرض له الصحفيات يمثل انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان، مشددة على أن “الصحة النفسية حق أساسي، وعلى المؤسسات توفير بيئة عمل آمنة تشمل الدعم النفسي والاجتماعي، خاصة في النزاعات”.
وتشير إلى أن التقصير لا يقتصر على المؤسسات الإعلامية، بل يمتد إلى الجهات الدولية، معتبرة أن بعض ما تتعرض له الصحفيات قد يرقى إلى مستوى انتهاكات جسيمة.
ولا تنبع الأزمة النفسية فقط من مشاهد الدمار، بل من كون الصحفيات وعائلاتهن ضمن دائرة الاستهداف. فبحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين، قُتل 262 صحفيًا وصحفية منذ بداية الحرب، وأصيب أكثر من 535، إلى جانب تدمير نحو 150 مؤسسة إعلامية.
وتكشف النقابة أن 706 من أفراد عائلات الصحفيين قُتلوا خلال الفترة نفسها، ما يحوّل العائلة إلى مصدر قلق دائم وضغط نفسي إضافي.
في هذا السياق، لا تواجه الصحفية في غزة خطر الموت في الميدان فقط، بل تعيش تهديدًا مستمرًا يطال حياتها الشخصية وعائلتها، ما يجعل الاستقرار النفسي شبه مستحيل.
ورغم ذلك، تستمر الصحفيات في العمل، مدفوعات بإحساس عميق بالمسؤولية. لكن خلف هذا الاستمرار، تتراكم صدمات صامتة، تطرح سؤالًا مفتوحًا: كم من الألم يمكن احتماله… قبل أن يصبح الصمت هو الانهيار؟
انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.
ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.






