
الصدمة التي لا تُرى: صحفيات غزة بين الكاميرا وذاكرة الحرب
هبة الشريف – غزة
في غزة، لا ينتهي يوم الصحفيات مع إطفاء الكاميرا أو انتهاء البث. هناك شيء يبقى… يرافقهن إلى البيوت، ويستقر في الذاكرة. تفاصيل لا تُترك خلفهن في الميدان، بل تعود معهن، ثقيلة وصامتة.
هكذا تصف الصحفية بيداء معمر يومها في زمن الحرب، حيث يتداخل دورها كأم مع مسؤولياتها كصحفية ميدانية. منذ ساعات الصباح الأولى، تبدأ محاولتها لصناعة لحظة استقرار لأطفالها الثلاثة داخل مكان نزوحهم؛ توقظهم، تُعدّ لهم ما توفر من طعام رغم شحه، في ظل انقطاع الكهرباء وغياب غاز الطهي، وتطمئن أن كل شيء على ما يرام قبل أن تغادر.
تقول: “في كل مرة أخرج من المنزل، أسأل نفسي: هل أخرج كأم تخاف على أطفالها، أم كصحفية تؤدي واجبها؟ الحقيقة أنني أخرج وأنا أحمل الشعورين معًا.”
في الميدان، تتنقل بيداء بين مواقع القصف والمستشفيات وتشييع الشهداء، شاهدةً على قصص إنسانية قاسية يصعب نسيانها. تتوقف قليلًا حين تتحدث عن أكثر ما أثر فيها، ثم تستعيد مشهد طفل يقف أمام أنقاض منزله، يبحث بين الركام عن لعبته الصغيرة. صورة، تقول، تختصر معنى الحرب في لحظة واحدة.
تحاول بيداء الفصل بين عملها وحياتها العائلية، وتخفي عن أطفالها كثيرًا مما ترى: “لا أريد لهم أن يعيشوا الخوف الذي أراه يوميًا.” لكن الفصل ليس سهلًا؛ بعض المشاهد تعود معها ليلًا على شكل أرق واسترجاع متكرر للحظات الصادمة.
الأصعب، كما تقول، هو تلك اللحظة التي تعود فيها إلى أطفالها بعد يوم طويل، محاولة استعادة دور الأم بسرعة، بينما لا يزال عقلها عالقًا في الميدان.
في إحدى جولات الحرب، لم تعد بيداء مجرد ناقلة للأحداث، بل أصبحت جزءًا منها. بعد تدمير منزلها، اضطرت للنزوح مع عائلتها بين عدة مناطق، وكانت حينها في أشهر حملها الأخيرة. تتذكر كيف ركضت لمسافات طويلة، وكيف كانت تخلع الخوذة والدرع لتخفيف ثقلها، محاولة النجاة بنفسها وبجنينها.
تقول: “عندما نزحت من بيتي، شعرت أنني لم أعد فقط صحفية تنقل معاناة الناس، بل أصبحت واحدة منهم.”
ورغم سنوات من التغطية، لم يختفِ الخوف، بل أصبح أكثر هدوءًا… لكنه حاضر دائمًا في الخلفية. تعترف بيداء أن المهمة لا تترك مساحة للانهيار؛ الكاميرا يجب أن تستمر، والقصة يجب أن تُروى، حتى لو كان الصحفي مثقلًا بالمشاعر.
وتضيف: “الشعور بالعجز قد يكون قاسيًا، خاصة حين ترى الألم دون أن تستطيع تغييره، مما يترك إحساسًا بالذنب أحيانًا.”
وبحسب بيانات وتقارير صادرة عن نقابة الصحفيين الفلسطينيين، يعمل الصحفيون في قطاع غزة في ظروف شديدة الخطورة، مع تصاعد الاستهداف المباشر لهم ولعائلاتهم، وغياب الحد الأدنى من معايير الأمان والسلامة المهنية. وتشير النقابة إلى أن عشرات الصحفيين فقدوا حياتهم خلال تغطية الحرب، فيما يواصل الباقون عملهم في بيئة مهددة، وسط دمار المؤسسات الإعلامية وصعوبة الوصول إلى أماكن آمنة.
كما توضح التقارير أن الصحفيين، وخاصة الصحفيات، يعيشون حالة توتر دائم وخطر متواصل، في ظل التعرض اليومي لمشاهد العنف والفقد، إلى جانب معايشتهم الشخصية للحرب. هذا الواقع يضاعف من الأعباء النفسية والمهنية، في غياب الدعم الكافي، ويجعل العمل الصحفي في غزة أقرب إلى معركة بقاء يومية.
وتوضح الأخصائية النفسية د. تهاني أبو غالي أن هذه التجربة تندرج ضمن ما يُعرف بـ”الصدمة الصامتة”، وهي تراكم غير مرئي ناتج عن التعرض المتكرر لمشاهد العنف دون تفريغ كافٍ. وتشير إلى أن الصحفيات قد يواجهن ضغوطًا إضافية، مثل الإرهاق التعاطفي والتبلد العاطفي، إلى جانب صراع داخلي بين الواجب المهني والقيم الإنسانية.
وتضيف أن الضغوط المرتبطة بالنوع الاجتماعي تزيد من حدة التجربة، سواء عبر التهديدات أو التوقعات المتناقضة، فضلًا عن عبء التوفيق بين العمل والحياة الأسرية. وترى أن المشكلة لا تتعلق فقط بطبيعة العمل، بل بثقافة مهنية تمجّد الصمود، بينما تُهمل الحاجة إلى الدعم النفسي، ما يدفع الصحفيات إلى الصمت بدل طلب المساعدة.
بالنسبة لبيداء، يبقى الاستمرار جزءًا من مسؤولية نقل الحقيقة، لكنها تدرك أن لكل قصة أثرًا لا يُمحى. تختم حديثها قائلة: “نحن الصحفيات ننقل قصص الناس ومعاناتهم، لكن الحقيقة أن غالبية القصص تبقى معنا… كأنها صدمة لا يراها أحد.”
انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.
ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.






