اقتصاد من رحم المعاناة: كيف تعيد نساء غزة بناء سبل العيش وسط الحرب والحصار

غزة- نغم كراجة
من بين الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، تحاول عشرات النساء إعادة بناء مصادر دخلهن بوسائل محدودة، في ظل انهيار جزء كبير من البنية الإنتاجية ونزوح جماعي طال معظم السكان.
وفق تقديرات صادرة عن مؤسسات أممية والجهات الرسمية الفلسطينية، تعرضت نسبة كبيرة من المنشآت الاقتصادية في القطاع للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما نزح أكثر من 80% من السكان من مناطقهم الأصلية خلال الأشهر الأولى للحرب كما تضررت آلاف الوحدات السكنية، الأمر الذي انعكس مباشرة على المشاريع المنزلية الصغيرة التي كانت تشكل مصدر دخل رئيسيًا للعديد من الأسر، خاصة تلك التي تعيلها نساء.
بركة بهار( 32 عامًا)، أم لستة أطفال، بدأت العمل في الخياطة عام 2010 بعد مشاركتها في تدريبات مهنية متعلقة بتصميم الأزياء، وادّخرت لسنوات حتى أسست مشغلًا منزليًا في شمال غزة أطلقت عليه اسم “حياة من خيوط” كان المشغل يضم ثماني ماكينات خياطة حديثة، وتعمل من خلاله على تفصيل الملابس وصيانتها لتأمين دخل أسرتها.
في بداية يناير 2024، دمرت جيش الإحتلال الإسرائيلي المنطقة التي يقع فيها منزلها، ما أدى إلى تدمير المشغل بالكامل، تقول بركة إن القصف طال محيط المنزل بشكل مباشر، فتضررت الغرفة التي تضم المعدات وتحولت معظم الماكينات إلى حطام.
خسرت خمس ماكينات بشكل كامل، فيما تمكنت من إخراج ثلاث ماكينات من تحت الأنقاض بعد انسحاب جيش الإحتلال الإسرائيلي من المنطقة، وكانت بحاجة إلى صيانة، تروي: “بدأت من جديد بترميم ملابس النازحين داخل غرفة ضيقة في مركز الإيواء، ومع اشتداد العمليات العسكرية في حي التفاح شرق مدينة غزة، اضطررت للنزوح مرة أخرى، تاركة خلفي ما أنقذته بصعوبة”.
كما دُمرت ألواح الطاقة الشمسية التي كانت تعتمد عليها بفعل القصف الجوي، فعادت إلى ماكينة قديمة ورثتها عن والدتها، لا تحتاج إلى كهرباء، وبدأت العمل يدوياً، مستغرقة أكثر من ساعة لإنجاز قطعة كانت تخيطها في دقائق.
ميار أبو العوف (19 عامًا)، طالبة هندسة زراعية، نزحت مع عائلتها من غرب مدينة غزة بعد أن ألقت طائرات الجيش الإسرائيلي منشورات تطالب السكان بالإخلاء الفوري، تقول إن العائلة غادرت المنزل تحت القصف باتجاه جنوب القطاع.
قبل النزوح، كانت قد أنهت فصلين دراسيين بتفوق وحاولت مواصلة دراستها إلكترونيًا عندما نزحت لجنوب القطاع في نوڤمبر 2023 تحت النار لكن الظروف حالت دون ذلك، توضح ميار: “تأمين ساعة كهرباء لشحن الهاتف كان مجازفة، والإنترنت لم يكن متوفرًا بشكل مستقر، كنت أقف في الشارع أبحث عن نقطة اتصال، وأترك هاتفي في أماكن الشحن وأنا أخشى أن يُسرق”.
لاحقًا، وعندما عادت العائلة إلى شمال غزة في مطلع يناير ، وجدت منزلها ركاماً بعد استهداف المربع السكني بعدة غارات إسرائيلية، استقرت الأسرة في منزل محترق بفعل القصف يعود لأحد أقاربهم، وخصصت ميار زاوية صغيرة أطلقت منها مشروع مشغولات يدوية تبيعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتعتمد على بطارية صغيرة للشحن حين تتوفر، وعلى نقاط إنترنت مؤقتة في المنطقة.
تقول ميار: “المشروع لا يعوّض الجامعة لكنه يمنحني فرصة أن أساعد عائلتي وأبقى قريبة من حلمي”.
الثلاثنية نداء عيطة ريادية أعمال وأم لثلاثة أطفال كانت تدير قبل الحرب وحدة إنتاجية نسوية في شمال القطاع ضمن مشروع تعاوني ضم أكثر من 12 سيدة وفتاة، معظمهن معيلات لأسرهن، كانت الوحدة تنتج الكعك والمفتول (وهو منتج تقليدي مصنوع من حبوب القمح) والمربى، مستخدمة معدات خاصة بإنتاج الغذائيات.
خلال الحرب، استشهدت اثنتان من عضوات الفريق جراء الاستهدافات المتواصلة، وأصيبت أخريات، كما دُمّرت الوحدة الإنتاجية بالكامل بعد تجريف المنطقة، ولم تتمكن نداء أو فريقها من نقل أي من المعدات قبل القصف، فيما باتت المنطقة التي يقع فيها المقر غير قابلة للوصول.
وتؤكد نداء أن المرأة قادرة على أن تكون منتجة حتى في مخيمات النزوح حيث أطلقت مع فريقها مبادرات إغاثية، وأسست خياماً تعليمية ثم أعادت إحياء مشروع خياطة داخل الخيام.
وتبين خلال حديثها: “واجه الفريق نقصًا حادًا في المواد الخام حتى الأزرار لم تكن متوفرة فابتكرنا بدائل من صدف البحر ونوى البلح، وشغّلن ماكينة خياطة بواسطة دراجة هوائية لتجاوز أزمة الكهرباء”.
“نحن نخيط شبكة أمان اجتماعي، كل قطعة ننتجها تقول إننا ما زلنا هنا، نعمل ونصنع ونرفض أن نتحول إلى أرقام في تقارير الإغاثة”، تضيف نداء.
توضح اعتماد أبو جلالة، عضو عضو اللجنة التنفيذية في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، أن الاقتصاد النسائي في غزة تعرض لانتكاسة غير مسبوقة، إذ فقدت آلاف النساء مصادر دخلهن نتيجة تدمير المنازل والمشاغل وإغلاق الأسواق، وتقول: “المشاريع الصغيرة التي تقودها النساء كانت تشكل صمام أمان للأسر في ظل بطالة مرتفعة مسبقة، ومع الحرب تضاعفت المسؤوليات على النساء، لا سيما المعيلات في وقت تقلصت فيه فرص العمل إلى الحد الأدنى”.
وتشير اعتماد إلى أن غياب التمويل، وصعوبة إدخال المواد الخام، وانعدام الاستقرار الأمني، كلها عوامل تقوض استدامة هذه المشاريع لكنها تؤكد في المقابل أن النساء أظهرن قدرة لافتة على التكيّف والابتكار، كما تبين: “نحن أمام اقتصاد بقاء، لا اقتصاد نمو، ومع ذلك أثبتت النساء أنهن قادرات على إدارة موارد شحيحة بكفاءة عالية، وتحويل المبادرات المنزلية إلى مصادر دخل حقيقية، ولو محدودة”.
وبينت اعتماد أن القطاع الصناعي في غزة تضرّر بشكل واسع منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، حيث تعرض حوالي 85 ٪ من المنشآت الصناعية للتدمير الكلي أو الجزئي وفق تقديرات مسؤولي وزارة الصناعة الفلسطينية والاتحاد العام للصناعات، وبلغت الخسائر المباشرة في قطاع الصناعة والتجارة نحو 5.9 مليار دولار.
وفي هذا السياق، فإن ما تتعرض له مشاريع النساء وممتلكاتهن المدنية يندرج ضمن انتهاك أحكام اتفاقية جنيڤ الرابعة ولا سيما المادة 53 التي تحظر تدمير الممتلكات الخاصة للأفراد أو الجماعات إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي ذلك حتماً، والمادة 33 التي تحظر العقوبات الجماعية وأي تدابير تمس المدنيين بسبب أفعال لم يقترفوها.
إن تدمير المشاغل المنزلية ووسائل الإنتاج الصغيرة، في سياق واسع وممتد لا يمثل مجرد خسارة اقتصادية كذلك جوهر الحماية القانونية المكفولة للمدنيين وحقهم في صون ممتلكاتهم وسبل عيشهم أثناء النزاع المسلح.
التحدي اليوم يتعلق بإعادة بناء منظومة اقتصادية تسمح لهذه المبادرات بالتحول من حلول طارئة إلى مشاريع مستدامة، فاقتصاد النساء الصغير في غزة يحتاج إلى بيئة آمنة، وفتح للمعابر، واستقرار يتيح التخطيط بعيد المدى.






