محمد شاب من ذوي الإعاقة استشهد بعدما نهشته كلاب الاحتلال في الشجاعية

إسلام المظلوم
عاش شاب فلسطيني يحمل تحديين ثقيلين متلازمة داون والتوحد تفاصيل حرب لم يفهمها يوماً لكنه كان ضحيتها الكاملة، هذه قصة محمد بهار ابن الأربعة والعشرين عاماً الذي واجه واقعاً يفوق قدرته على الإدراك فكان مصيره نهاية موجهة لا يزال صداها عالقاً في قلب عائلته.
بصوت متهدّج تبدأ والدة محمد نبيلة أحمد بهار73) عاماً) روايتها عن سبعة أيام عاشتها عائلتها محاصرة في منزلها في شارع النزاز بحي الشجاعية أحد أكبر أحياء شرق مدينة غزة بعد ما كانت قد نزحت عدة مرات، إلي حين اشتد الحصار فلم يجدوا مكاناً يختبئون فيه سوى زوايا البيت وأحياناً داخل الحمام عندما يشتد إطلاق النار.
حي الشجاعية يُعد من المناطق التي شهدت عمليات عسكرية مكثفة خلال الحرب الأخيرة على غزة، خلف دماراً واسعاً في البنية التحتية والمنازل، وأدى إلى نزوح آلاف العائلات.
تصف نبيلة اللحظات التي عاشتها وهي تكاد تختنق بالبكاء: “في الثالث من يوليو2024 م اقتحمت الجنود الإسرائيلية وعشرات الكلاب البوليسية المنزل بتكسير كل ما يظهر أمامهم، حتى وصلوا للمكان الذي كنا نحتمي به أنا وسبعة عشر شخصاً من أسرتي منهم بناتي وأولادي المتزوجون وزوجاتهم وأطفالهم”.
وتكمل قائلة: “حاولت حماية محمد والتخفيف من الذعر والخوف الذي كان يشعر به، رددت عدة مرات للجنود أن محمد معاق، لكن كانت الفاجعة الكبرى بهجوم الكلاب على محمد ونهشت جسده أمام أعيننا العاجزة عن مساعدته”.
تقول والدته بصوت مثقل بالألم: “صرخت عاجزة عن إنقاذه، ومنعوني من تقديم المساعدة له، لن أنسي كيف رأيت الكلب يمزقه كيف كان ينزف من ذراعه وصدره هذا المشهد لا يفارقني لحظة”.
وتكمل نبيلة حديثها: “بعد ساعات طويلة أجبرنا جميعاً على مغادرة المنزل تحت تهديد السلاح تاركين محمد خلفنا، بعد أن أخذوه جنود الاحتلال إلى غرفة منفصلة وأغلقوا الباب، وصوتي يعلو بالبكاء والرجاء لكن دون جدوى، واعُتقلوا اثنان من إخوت محمد (آدم وسيف)، بينما لجأنا إلى مبني مدمر قريب احتمينا به بعد أن كانت الكواد كابتر (طائرة صغيرة بدون طيار مزودة بأربع مراوح أو محركات) تتبعنا وتطلق النيران أمامنا وخلفنا، وحين ابتعدت قليلاً استطعنا الوصول إلى مكان آخر أكثر أمان”.
وتضيف نبيلة: “وبعد أسبوع انسحب الجنود وعاد شقيقه جبريل إلى المنزل ليجد المشهد الأقسى محمد ملقي على الأرض الدم يغطي جسده، وضمادة حول ذراعه كأن أحدهم حاول وقف النزيف… ثم تركوه الجنود الإسرائيليين ليموت وحيداً، بسبب خطورة التنقل، دفن جبريل جثة محمد في زقاق ضيق بين المنازل دون تشريح للجثمان ودون شهادة وفاة”.
وتشير نبيلة قائلة: ” أنا أمٌ ما زلت أبحث عن العدالة قد لا تأتي قريباً، لكني أروي القصة كي لا يمحى اسم محمد من الذاكرة”.
وأكد المحامي والناشط الحقوقي سعيد عبدالله أن ما جرى يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني ولمنظومة حقوق الإنسان، قدّم عبدالله توصيفًا تفصيليًا لأوجه الخروقات، معتبرًا أن الوقائع “تُعد جريمة حرب مكتملة الأركان”.
وأوضح عبدالله أن الهجوم على الشاب المصاب بمتلازمة داون يمثل استهدافًا مباشرًا لشخص من ذوي الإعاقة، وهو ما يخالف كل من: اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، واتفاقيات جنيف التي تؤكد على حماية الفئات الضعيفة والعاجزة.
وقال عبدالله: “إن استخدام الكلاب البوليسية لإيذاء شخص غير قادر على الدفاع عن نفسه يرتقي إلى اعتداء وحشي ومتعمد، واستخدام القوة بهذا الشكل لا يستند لأي مبرر عسكري، اقتحام المنزل والاعتداء داخل بيئة مدنية آمنة يرقى إلى مستوى التعذيب أو المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة”.
وشدد عبد الله على أن منع العائلة من تقديم الإسعافات الأولية للشاب المصاب يمثّل “جريمة حرب قائمة”، مؤكدًا أن حرمان الجرحى من العلاج يعد انتهاكًا صريحًا للمادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف.
وفيما يتعلق باقتياد الشاب بعد الاعتداء عليه، قال عبدالله إن هذا الفعل يشكّل: اختفاءً قسريًا، واحتجازًا تعسفيًا يخالف المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، لافتًا إلى أن هذا النوع من الممارسات، عندما يحدث ضمن سياق واسع ومنهجي، “يمكن أن يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية”.
ولخّص عبدالله أبرز الانتهاكات التي تضمّنتها الحادثة على النحو التالي: الاعتداء على شخص من ذوي الإعاقة دون أي ضرورة عسكرية، استخدام الكلاب البوليسية كأسلوب تعذيب وإيذاء، إرهاب المدنيين داخل منزلهم قبل إخلائهم قسرًا، منع تقديم الإسعاف للشاب الجريح، الاستخدام الوحشي للقوة ضد مدنيين غير مشاركين في أعمال عدائية، الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري بعد الاعتداء، انتهاك واضح لحماية الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء النزاعات، معاملة قاسية ومهينة للعائلة، غياب تام لمبادئ الضرورة والتناسب والتمييز في القانون الدولي الإنساني.
وحسب إحصائيات جمعية الحق في الحياة بغزة، عن تزايد عدد المصابين بمتلازمة داون بقطاع غزة لتصل إلى (1656) طفلاً، في حين بلغت الإصابات بمرض التوحد (522) طفلاً.
ووفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن 58 ألف شخص في قطاع غزة من ذوي الإعاقة يعيشون ويلات حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر الماضي.
ويوضح د. إسماعيل أهل، الاستشاري ومدرب الصحة النفسية الاجتماعية في المؤسسات الدولية، أن الأشخاص ذوي متلازمة داون يتعاملون مع البيئة المحيطة بهم ـ جمادًا أو حيوانًا أو إنسانًا ـ بطريقة ودية وانسيابية، دون أي اعتبارات للجوانب النفسية أو الاجتماعية أو السياسية.
ويقول أهل: “الأشخاص ذوي متلازمة داون هم أصدقاء البيئة المحيطة، يعتبرون كل شخص في الأسرة أو خارجها صديقًا مقربًا، وقد يتعلقون نفسيًا ببعض الأشياء أو الحيوانات ويعتبرونها جزءًا من محيطهم الخاص”.
ويضيف أن هؤلاء الأشخاص يتميزون بالود الشديد، ويحافظون على ابتسامة دائمة، حتى وإن كانوا يعانون من ضغوط نفسية نتيجة إيذاء الآخرين لهم، لكن هذه الطبيعة الودودة تجعلهم أكثر عرضة للخطر.
ويري أهل: “اعتبر محمد الكلب جزءًا من محيطه الودود، ولم يتوقع أن يتحول إلى أداة إيذاء حين نهشته الكلاب البوليسية حتى الموت، محمد اعتقد أن الألم مؤقت، فترك نفسه فريسة سهلة ولم يدافع عن نفسه، وهذا أمر صعب جدًا على أي إنسان، فما بالك بشخص مصاب بمتلازمة داون”.
ويشير أهل: ” أن الأشخاص ذوي متلازمة داون عانوا خلال الحرب من فقدان التواصل البصري، ضعف اهتمام الأسرة، الجوع، التهجير والنزوح، وهي عوامل أثرت بشكل مباشر على صحتهم النفسية لعدم توفر احتياجاتهم الخاصة من مسكنات وعلاج تقرحات، وهذه الظروف القاسية أثرت عليهم جميعًا”.
ويؤكد أن من أبرز صفاتهم الاجتماعية أنهم يحاولون تكوين صداقات مع كل من حولهم، لكن الحرب حرمتهم من هذا التواصل الطبيعي، وزادت من هشاشتهم النفسية والجسدية.






