أتعلم كي أبقى…قصة شهد(17عاما)

أتعلم كي أبقى...قصة شهد(17عاما)
#الحماية_حق #cdmcgaza

أحمد أبو حليمة- غزة

في قلب الحرب المستمرة على غزة، تبرز شهد”17 عاما” كواحدة من قصص الصمود التعليمي التي لا تُرى كثيرًا، طالبة وجدت نفسها تتنقل بين أماكن النزوح بحثًا عن إشارة إنترنت لتسليم واجباتها المدرسية، متحدّية الخوف وواقع الدمار، قصة شهد ليست حالة فردية، بل مرآة لإصرار آلاف الطلبة الفلسطينيين الذين يتمسكون بالتعليم كأمل أخير في مستقبل تحاول الحرب محوه.

بين ركام غزة وصوت الطائرات الذي لا يهدأ، تتمسّك شهد بتعليمها كخيار وحيد للبقاء، رغم الخطر وانعدام أبسط مقومات الحياة، كانت تبحث عن أي إشارة إنترنت لتتمكن من إرسال واجباتها المدرسية في منطقة النصيرات، بالنسبة لها التعليم ليس مجرد دراسة، بل فعل مقاومة وأمل في مستقبل تحاول الحرب انتزاعه.

تقول شهد: “مع بداية الحرب في السابع من أكتوبر 2023، نزحت شهد مع عائلتها إلى مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، كما فعل آلاف الفلسطينيين الهاربين من القصف وأوامر الإخلاء. لكن النزوح لم يتوقف عند هذا الحد؛ فمع تصاعد العدوان واتساع رقعته، أُجبر كثيرون على الانتقال من مكان إلى آخر، من شمال القطاع إلى وسطه، ثم إلى مناطق جنوبية مثل دير البلح وخانيونس ورفح، في رحلة نزوح قاسية بلا ضمانات أمان.

ووفق تقديرات الأمم المتحدة، نزح نحو 1.9 مليون فلسطيني داخل قطاع غزة، أي ما يقارب 90% من السكان، فيما اضطر عدد كبير منهم للنزوح أكثر من مرة، وسط أوضاع إنسانية صعبة شملت الاكتظاظ، نقص المياه والغذاء، وتدهور الخدمات الأساسية، ما جعل تجربة النزوح عبئًا يوميًا ثقيلًا، خاصة على الأطفال والطلبة مثل شهد.

مع إعلان عودة النازحين إلى غزة في منتصف يناير 2025، شعرت شهد بلحظة أمل قصيرة، قائلة: “فرحت لما أعلنوا عودتنا، كنت متأملة أن بيتنا يكون قائمًا أو أن نجد غرفة نعيش فيها ونستمر في حياتنا وتعليمنا.”

عند عودة شهد إلى شرق غزة، وتحديدًا حي الشجاعية، صُدمت بما وجدت: بيتها ومدرستها، مدرسة دلال المغربي، مهدمة بالكامل بسبب الهجوم الإسرائيلي على غزة في خلال الحرب.

 تقول: “كل ذكرياتي، كتبي، وشهاداتي اختفت… شعرت أني بلا عنوان وبلا مدرسة، وأن فرصة العودة للصفوف ضاعت بسبب الحرب.”

تتحدث شهد عن معاناتها بعد فقدان بيتها ومدرستها، لكنها تؤكد أن أقسى ما مرت به كان مرحلة التجويع الجماعي التي فُرضت على سكان قطاع غزة، فمع بداية الحرب، أقدم الجيش الإسرائيلي على إغلاق المعابر بشكل شبه كامل، ومنع دخول المواد الغذائية، والطحين، والمياه، والوقود، والأدوية، ما حوّل الحياة اليومية إلى صراع من أجل البقاء، تقول: “أيام كنا ناكل وجبة وحدة أو ما في شيء… أصعب شي إنك ما تقدر توفّر طعام للأطفال.”

خرج والدي إلى شمال غزة، مناطق زيكيم ونِتساريم، بحثًا عن طعام، لكنه استشهد هناك. وتشير تقارير وزارة الصحة إلى أن آلاف المدنيين قتلوا منذ 7 أكتوبر 2023 أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات.

بعد استشهاد والدها، تحملت شهد عبئًا نفسيًا كبيرًا، لكنها لم تتخلَّ عن تعليمها، متذكّرة دائمًا كلماته: “التعليم هو سلاحك.”

تعيش شهد اليوم مع والدتها وأشقائها الخمسة، وقد انقطع الصغار عن الدراسة بعد التشتت بسبب الحرب. تقول شهد: “أنا الوحيدة اللي بحاول أدرس، مرات أراجع من الذاكرة، مرات من دفاتر قديمة، ما عندي كتب جديدة ولا معلمة، بس عندي إصرار، مع كل هاي المعاناة بحاول كمان أعلّم أخواتي الصغار بعض الأساسيات ليتذكروا التعليم.”

من إخوتها، يبرز شقيقها يوسف في المرحلة الإعدادية، الذي يكافح رغم صغر سنه: “أحيانًا ما بعرف أكتب أو أحل واجب، بس بحاول أتعلم من أختي، الوضع صعب والصف مهدوم… بس ما بدي أترك الدراسة.”

يقول المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم أ.أحمد النجار: “ما يحدث في غزة هو تدمير ممنهج للتعليم. أكثر من 625 ألف طالب وطالبة حُرموا من حقهم في الدراسة، واستشهد أكثر من 5,800 طالب، إضافة إلى أكثر من 265 معلمًا وإداريًا، وتم تدمير مئات المدارس، وبعضها أصبح مراكز إيواء للنازحين.”

ومن جانبه، يسلط الضوء الباحث في مجال حقوق الإنسان أ، رامي عبده على البعد القانوني للمأساة في غزة، واصفًا ما يحدث بأنه “إبادة تعليمية”، يوضح عبده: “الحق في التعليم مكفول بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل، واستهداف المدارس والجامعات وقتل الأكاديميين والطلاب يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وهم لا يقتلون البشر فقط، بل الذاكرة والمستقبل.”

ورغم كل المعاناة، ترى شهد في التعليم نافذتها الوحيدة نحو المستقبل، تختم قصتها قائلة: “الحرب أخدت منا كل شي، بس إذا ضاع التعليم، بنضيع إحنا. أنا بدي أتعلم… عشان أعيش.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى