زوجات الشهداء بين وجع الفقد الوصاية.. معاناة مركبة

زوجات الشهداء بين وجع الفقد الوصاية.. معاناة مركبة
#الحماية_حق #cdmcgaza

دعاء شاهين- غزة

” الوصاية للجد”.. بهذه العبارة تبدأ الغزية ايناس علي 33 عاما صراعها اليومي المعيشي مع عائلة زوجها الشهيد لا كحكم قانوني مجرد، بل كواقع قاسٍ يحدد مصير أطفالها الثلاثة.

 تعيش ايناس داخل زاوية ضيقة من خيمة مهترئة في أحد مراكز الإيواء بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، واقع مرير بعد استشهاد زوجها في قصف إسرائيلي استهدف غزة   22 مايو ،2024لتبدأ بعدها رحلة البحث عن المساعدات المخصصة لأسر الشهداء، لإعالة أطفالها الثلاثة أكبر 13 عام ، قبل أن تكتشف أن أسماء أبنائها سُجلت تحت وصاية والد زوجها، وأنها باتت خارج أي قرار يتعلق بحقوقهم.”

مقالات ذات صلة

وساطة بلا فائدة 

تتنقّل ايناس يوميا بين المؤسسات الإغاثية حاملةً أوراق أطفالها، تبحث عن مساعدة تسدّ بها رمقهم، أحيانًا تنجح في الحصول على دعم محدود، وأحيانًا تعود خالية الوفاض، ليس لغياب الاستحقاق، بل لأن الجميع يكرر العبارة ذاتها: ” يجب أن يحضر الجد، فهو الوصي على أبناء ابنه”.  رغم أنها لا تزال على قيد الحياة، وتعيش مع أطفالها وتتكفّل بكل تفاصيل رعايتهم.

تقول:” إن بعض الجهات ترفض تسليمي أي مساعدة دون حضور الجد، فيما تُحال في جهات أخرى إلى انتظار موافقته الخطية، وحين تذهب إلى جدّ الأطفال مطالبةً بحقوقهم، يردّ عليها بقوله:” طالما الأطفال معك وتعيشين وحدك، اصرفي عليهم”. مشترطا أن يعيش معهم في مكان واحد ليُسلّم المساعدات، بينما يحتفظ لنفسه بحق الوصاية والتصرّف.

في أحيان كثيرة، يرفض الجد التنازل عن الوصاية بحجة أنها قد تتزوج مستقبلًا، وكأن هذا الاحتمال يُسقط عنها حقها في إدارة شؤون أطفالها اليوم.

تضيف إيناس بمرارة: ” يقولون إن القانون معهم، وإن الجد هو الوصي الشرعي، لكنهم لا يعيشون معنا في الخيمة، ولا يرون أطفالي حين ينامون جائعين وجدهم يحصل على أموال هي حقهم من كفالة الأيتام”..

في هذه القصة اتهام للجد، هل ممكن تعليق منه (من باب التوازن)  الجد رفض التعقيب لأنه قانونيا  هو وصي على أحفاده. 

وتشير إلى أنها تواصلت مع أقارب لها ليكونوا وساطة لإقناع الجد التنازل عن الوصاية لكن ما تفضي الأمور بالفشل بسبب تعنت الجد وتوضح:” بسبب ظروف الحرب أعيش أزمة معقدة غياب المحاكم، ومآبين الفقد ومسؤولية إعالة الأطفال”.

بدوره يعقب المحامي والقانوني أنس البرقوني قائلاً: “وفقًا للقانون الفلسطيني المعمول به في قطاع غزة، والمستمد من الفقه الحنفي وقانون حقوق العائلة، فإن الولاية  ( الوصاية ) على أموال الأبناء القاصرين تنتقل تلقائيًا، فور استشهاد الأب، إلى الجد الصحيح (والد الشهيد)، بوصفه المسؤول القانوني عن إدارة شؤونهم المالية والتصرف فيها بما يحقق مصلحتهم.”

ويكمل قائلا:”وفي حال كان الأب قد أوصى قبل استشهاده بتعيين وصي محدد، سواء كانت الأم أو غيرها، تُعتمد هذه الوصية بعد تصديقها من المحكمة الشرعية المختصة.
أما إذا لم يوجد الجد، أو ثبت فقدانه للأهلية القانونية، فإن المحكمة الشرعية تتولى تعيين وصي مختار، وغالبًا ما يُرجَّح تعيين الأم، مراعاةً لمصلحة الأبناء وحفاظًا على استقرارهم المعيشي.”

 وبحسب المحامي يُفرّق القانون المعمول به في قطاع غزة بين نوعين من الأموال الخاصة بأبناء الشهداء؛ أموال القاصرين كالإرث والتعويضات، وهي تخضع لولاية الجد الصحيح تحت رقابة المحكمة الشرعية، ولا يجوز التصرف بها إلا بإذن قضائي وبما يحقق مصلحة الأبناء. وفي المقابل، تُسلَّم المساعدات الإغاثية ومخصصات الأيتام غالبًا للأم بصفتها الحاضنة الفعلية والمسؤولة عن النفقة اليومية، ويحق لها طلب حجة وصاية من المحكمة لضمان وصول هذه الأموال إليها. وفق ما أدلى به المحامي والقانوني 

وفي هذا السياق يوضح البرقوني:” لا يُعدّ الجد أو عائلة الشهيد “مدانين” قانونيًا، بل مكلفين ومسؤولين عن رعاية الأيتام وأموالهم، ويُسأل الولي شرعًا وقانونًا في حال التقصير أو إساءة استخدام المساعدات، بينما يقتصر دور أهل الزوجة على الدعم الاجتماعي دون ولاية قانونية.”

يكمل قائلا:”تبرز الإشكالية حين يستلم الولي المساعدات أو الأموال ولا يقوم بتسليمها للأم، ما يؤدي إلى تعطّل شؤون الأيتام المعيشية وحرمانهم من حقوقهم الأساسية”.
يبين المحامي أنس:”في هذه الحالة، يحق للزوجة التوجّه إلى المحكمة الشرعية لرفع دعوى نفقة ضد الجد إذا امتنع عن الصرف من أموال الأبناء أو من المساعدات التي يستلمها، كما يحق لها طلب قرار قضائي بكفّ يد الولي متى ثبت عدم أمانته أو إساءته استخدام أموال ومساعدات الأيتام، بما يضمن حماية مصلحة الأطفال”.

بحسب المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإن 14,500 امرأة فقدت زوجها خلال حرب الإبادة الجماعية المندلعة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023،فوجدت آلاف النساء في قطاع غزة أنفسهن فجأة أمام فراغ اقتصادي واجتماعي قاسٍ، لا يقتصر على فقدان الزوج فحسب، بل يمتد إلى انعدام الدخل، وتراكم الاحتياجات اليومية، وغياب أي شبكة حماية رسمية. 

 مما دفعهن للجوء إلى المؤسسات الاغاثية في ظل تدهور أوضاعهن المعيشية والاقتصادية وحالة العوز، كملاذ لهن لمساعدتهن في تأمين مساعدات مالية لهن ولأبنائهن الأيتام، واحتياجات الطعام والملبس والدواء في واقع يفرض على المرأة أن تتحول من ناجية إلى معيلة دون أدوات كافية.

لم يكن الحداد قد اكتمل بعد حين طرق أهل زوج هبة محمد 27 عام بابها، بعد شهور قليلة مرّت على استشهاد زوجها  في قصف إسرائيلي على شمال قطاع غزة، وكانت تحاول أن تشرح لطفليها الأربعة معنى الغياب، حين جاءها العرض واضحًا وصادمًا من والدة زوجها الشهيد:” تزوجي ابني وتبقي أنتي معنا ووصية على الأولاد، وفي حال رفضتي يبق العم هو الولي وانتي تتركي المنزل ويبق الأولاد معنا”.

ولأن هبة رفضت هذا الخيار اضطرت لترك منزلها المدمر جزئيا والعيش مع عائلتها النازحين بأحد مراكز الإيواء بحي النصر غرب غزة، وانفصلت عن أبنائها قسرا،  تكاد يختنق صوتها وهي تحكي قصتها. 

تقول:” إن أهل زوجي لم يمنحوني وقتًا للحزن، ولا خيارًا للتفكير، قالوا لي إن هذا هو الحل الوحيد، إما أظل داخل العائلة بزواج جديد، أو أترك أطفالي خلفي ولا وصاية لدي، ليس لدي الحق في الحصول على أي مساعدات يحصلون عليها”.

تكمل:” أخبرني أهل زوجي الشهيد أن الأطفال تحديدا كونهن ثلاثة فتيات  تترواح أعمارهن ما بين  6 سنوات إلى 9 سنوات وولد أكبرهن 11 عام، لا يجوز أن يكبروا خارج كنف العائلة، وإن زواجي من شقيق زوجي سيحميهن وتبق الوصاية مع عمهن ومعي لكنها الحماية، كانت مشروطة بتنازل كامل عن حقها في الاختيار”.

تقول بصوت مرتجف:” لم يسألني أحد إن كنت قادرة نفسيًا، أو إن كنت أريد هذا الزواج كانوا يتحدثون عن الأطفال فقط، لكن دون أن يروا أمهم، الآن الأطفال البنات مع عمهم والولد معي، أدخلت وساطة بيننا لأتمكن من مشاهدة بناتي يوم بالأسبوع، لكن كل أطفالي الأيتام يبقون تحت وصاية عمهم “.

ترفض هبة حتى اليوم مناقشة القرار الذي اتخذته بشأن الزواج من شقيق زوجها مع أي أحد من أقاربها مكتفية بالقول إن ما جرى ترك جرحًا عميقًا، ” الحرب لم تقتل زوجي فقط بل حرمتني من أمومتي والعيش مع أطفالي كما أحب وكنت أحلم مع زوجي قبل الحرب، فلا منزل ولا عائلة ولا شيء تبق لي”.

قصة هبة وايناس ليست حالة فردية، بل واحدة من قصص كثيرة لنساء فُرضت عليهن حلول قاسية باسم العرف، وفي ظل غياب القضاء والحماية القانونية، حلول تُقدَّم على أنها “حفاظ على الأطفال”، بينما تُقصى الأم وتُجبر على الاختيار بين أبسط حقوقها وأغلى ما تملك. 

وتعيش زوجات الشهداء اليوم في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء نتيجة نزوح قسري دفعهن خارج منازلهن المدمّرة أو التي باتت غير صالحة للسكن. 

فالخيمة أو مركز الإيواء لا يمثلان خيارا سكنيا، بل ملجأ اضطراري فرضه فقدان البيت، بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة وانعدام القدرة على استئجار مسكن بديل، وامتلاء مراكز الإيواء، وغياب أي بدائل حقيقية. 

داخل هذه المساحات الهشّة، تحاول النساء إدارة حياتهن اليومية مع أطفالهن في ظل حدّ أدنى من الخصوصية والأمان، فيما تتحوّل الخيمة إلى شاهد دائم على هشاشة الواقع، وعلى خسارة باتت تُعاش وتُدار بوصفها أمرًا اعتياديًا.

تعطل المحاكم

 بدورها تحذّر امتياز حسب الله خبيرة قانونية وناشطة نسوية من أن تعطّل المحاكم الشرعية في غزة بسبب الحرب خلق فراغًا قانونيًا خطيرًا، انعكس بشكل مباشر على قضايا الوصاية على أبناء الشهداء. 

وتوضح أن الوصاية، التي كان يُفترض أن تُنظَّم عبر القضاء بما يضمن مصلحة الطفل أولًا، تحوّلت في الواقع الراهن إلى أداة سيطرة تُمارسها بعض عائلات الشهداء، وخصوصًا الأجداد، للاستحواذ على أموال الأطفال والمساعدات المخصّصة لهم، في ظل غياب أي رقابة أو مساءلة. 

وتؤكد القانونية:” حتى لو أم القانون يمنع الوصاية لجد الطفل او جدتن تبق الأم الحاضنة لطبيعية لأطفالها، ولا يجوز قانونًا إقصاؤها عن إدارة شؤونهم أو حرمانهم من حقوقهم المالية، خاصة في الحالات التي تكون فيها المعيل الوحيد بعد استشهاد الأب.”

وفي هذا السياق، تشير إلى أن المساعدات الإنسانية تُستغل في كثير من الأحيان عبر تسليمها لغير لام، ما يسمح باستحواذ الجد أو أحد أعمام الأطفال عليها، بينما تُترك الأم وأبناؤها دون أي دعم فعلي. وتصف هذا الواقع بأنه انتهاك مركّب يمسّ حقوق النساء وحقوق الأطفال في آن واحد. 

وتضيف أن هذا الوضع يخلّف آثارًا نفسية واجتماعية قاسية على زوجات الشهداء، اللواتي يجدن أنفسهن في معركة جديدة بعد الفقد لإثبات حقهن في رعاية أطفالهن، ما يضاعف من شعور العجز والقهر في سياق الحرب والنزوح والفقر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى