قدمٌ بلا مفصل ونزوح بلا سند 

 قدمٌ بلا مفصل ونزوح بلا سند 
#الحماية_حق #cdmcgaza

غزة/ أنغام يوسف

“كنت نائمة، استيقظت فلم أجد أحدًا معي في الغرفة، بدأت أنادي، لم أسمع سوى صدى صوتي، أدركت أن مبنى المشفى الذي أتواجد فيه تم إخلاؤه من أي نفس بشري.”

هذا ما تحدثت به السيدة “آمنة وافي” البالغة من العمر 47 عامًا، حين استيقظت من نومها حوالي الساعة الحادية عشرة صباحًا داخل الغرفة ولا أحد سواها، في مبنى التحرير بمشفى ناصر الطبي غرب مدينة خان يون، جنوب قطاع غزة لحظة اجتياح الجيش الإسرائيلي للمشفى في ١٥/٢/٢٠٢٤

وتقول آمنة “بقيت على سريري لفترةٍ، لعل من يأتي ويساعدني بالخروج لكن دون جدوى، بدأت أساعد نفسي، أحرك الجزء الأعلى من جسمي ثم أحمل أقدامي، عملت ذلك تكرارًا، حتى أمسكت بكرسي متحرك لمريض كان معي داخل الغرفة تركه قبل إخلائه، فكان كطوق نجاة.”

وكانت وافي  داخل المشفى قبل الاجتياح الإسرائيلي بثلاثة أشهر بسبب إصابتها في كاحل رجلها الأيسر بقذيفة دبابة إسرائيلية أثناء نزوحها في منطقة جورة اللوت جنوب شرق خانيونس، بعد نزوحها من منطقة البلد في خانيونس  خلال اجتياح الجيش الإسرائيلي للمدينة بسبب مشوار الإخلاء التي ألقاها جيش الدفاع الإسرائيلي على المدينة.

وتصف المصابة لحظة استهدافها  “أنا مريضة سكري، في يوم 14/12/2023 كنت ذاهبة برفقة زوجي للغيار على حرق في رجلي في مشفى الهلال الأحمر الفلسطيني، في الطريق عرفنا أن الطرق المؤدية لوسط البلد باتجاه العيادة لا يمكن المرور بها بسبب شدة القصف وتمركز الدبابات الإسرائيلية على مفترقات الطرق، كان الناس في زحام كيوم الحشر بسبب النزوح، طلب منا بعض الأشخاص العودة حيث أتينا وعُدنا…”

وتكمل….. السيدة وصفها حول مسير عودتها إلى قدرها المحتوم “عدنا من بين الأزقة والبيوت، وفي شارع يعرف باسم ـ شارع زيدان ـ “وقفت مع زوجي وأحد الشباب بالمنطقة، طلب زوجي منا الجري لمنطقة أكثر أمناً، ولكن كأن مقبضًا أو جنزيرًا التف حول أرجلي، وقفت في مكاني دون أي حركة، اقترب زوجي ليأخذ بيدي لنجري، اشتد القصف، حينها لمست شيئًا قفز بي للأعلى ثم هبطت للأرض في بركة من الدماء، رأيت زوجي أمامي يصرخ من يده والشاب الذي معنا دون أي حركة، حينها فقدت الوعي للحظات، عندما فقت ثانيةً رأيت زوجي والشاب قد فارقا الحياة، وبقيت في مستنقع الدم أنظر إلى مفصل رجلي الذي أصبح معلقًا بطرف ساقي، رأيت عظامي المفتتة، بدأت أنظر اتجاه الناس والأصوات كانوا ينادون عليَّ حتى أبقى واعية، وبعد ثلاث ساعات تمكن الإسعاف من الوصول وانتقلنا للمشفى.”

وتذكر السيدة  “عدد الشهداء يوم الحادث وصل إلي حوالي  ستة شهداء تم نقلهم بواسطة سيارة الإسعاف والسيارات الخاصة المواطنين وعربات يجرها حصان.”

ثلاثة أشهر قضتها آمنة في مشفى ناصر الطبي للعلاج، عايشت خلالها آلام الإصابة ومعاناة نقص العلاج والمستلزمات الطبية وتجربة المجاعة ونقص الطعام، فبقيت لمدة أربعة أيام لم تجد ما تأكله.

يذكر أن قطاع غزة تعرض إلي مجاعة  لمدة خمسة أشهر وصل أعلى مستوياته في 2024.

وتضيف اللحظات الأكثر ضعفًا وخوفًا على نفسها من جنود الاحتلال “حين نزلت بمفردي عبر المصعد من الطابق العلوي إلى صالة الاستقبال والطوارئ بمبنى التحرير، هاجمني جنود إسرائيليون وبدأوا بالصراخ، أحدهم يجيد اللغة العربية، قفي، لا تتحركي، ما اسمك؟ من معك؟ ارفعي يديك للأعلى، تم تفتيشي، ثم أمر أحد الجنود بمناداة شخص من الذين تم حجزهم في مبنى مستشفى ناصر القديم مع المرضى والأطباء وأخرجوني من المبنى، أيام  تنذكر ولا تنعاد، كانت صعبة بكل تفاصيلها.”

وتقول المصابة “طوال فترة وجودي في المشفى عملت ما يقارب الـ 17 عملية جراحية، كنت أتلقى العلاج بما يتوفر في المشفى، الغيار على الجرح كل يومين بدلاً من كل يوم حسب توفر الشاش والمعقمات، بسبب نقص المعدات في المشفى، حتى دخول الجيش الإسرائيلي للمشفى، بقيت ستة أيام لم أغير على الجرح حتى تمكنت الطواقم من الحصول على مستلزمات طبية بتصريح من الجيش لمساعدة المرضى في الغيار على الجروح وتناول العلاج والمسكنات والغيار كل ثلاثة أيام، كما بقيت أربعة أيام بلا أكل فلم يسمح الجيش لنا بإدخال الطعام حينها.”

وتحكي بأنفاسٍ غير منتظمة عن سياسة القمع والانتهاكات التي طالت الطواقم الطبية والمرضى “أخبرنا الجيش مرة أخرى بالتوجه إلى مبنى التحرير، لكنني لم أخرج، وخلال التوجه اعتقل 80 شخصًا من الكوادر الطبية والمصابين، طوال فترة الاجتياح ما يقارب 15 يومًا، كان حلقة الوصل بيننا مع الجيش دكتور “عاطف” فقط لتنفيذ أوامر الجيش.”

وتضيف “بعد انسحاب الجيش من المشفى، جاءوا أقاربي وأخرجوني لأن الوضع الصحي كان سيئًا، أصبح وزني 50 كيلو غرامًا من أصل 80 كيلو غرامًا، وها أنا أعيش حياة الخيام لا مأوى مناسب، أتقاسم جزءًا من خيمة مع أقاربي ولا دخل مادي يكفي لتلبية احتياجاتي، فقدت معيلي الوحيد – زوجي – وليس لدي أبناء، لا حول لي ولا قوة إلا بالله وبأهل الخير.”

وتنظر بكل أمل في فرصة للعلاج والحياة: “أنتظر حقي في السفر لأكمل مسيرة علاجي على أمل زراعة مفصل وأترك تلك العكازين الذين يتعبني أكثر من أن يريحنا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى