مريضات السرطان في غزة يعشن حكماً بالإعدام البطيء

دعاء شاهين – غزة
في زاوية ضيقة بأحد مراكز الإيواء في مخيم البريج وسط قطاع غزة، تجلس سميحة سليمان (47 عامًا) وسط ضجيج الأطفال وروائح الرطوبة المتسللة بين جدران مشققة بفعل القصف الإسرائيلي، بجسد أنهكه المرض.
السرطان يتفشى ولا علاج
تعاني سميحة من سرطان الثدي منذ خمس سنوات، وتواجه اليوم خطر تدهور حالتها الصحية بسبب انقطاع العلاج ونقص الأدوية الأساسية، في ظل انهيار المنظومة الصحية في القطاع.
تقول بصوت مثقل بالألم: “تم تشخيص إصابتي بسرطان الثدي قبل خمسة أعوام، وخضعت خلال هذه الفترة لعدة عمليات جراحية أدت إلى استئصال الثدي، إضافة إلى جلسات علاج كيماوي وإشعاعي منتظمة في مستشفى المطلع في الضفة المحتلة، عبر معبر إيرز (بيت حانون) الذي لا زال مغلقًا بفعل الحصار الإسرائيلي على القطاع منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة أكتوبر من 2023
مع تشديد الحصار وإغلاق المعابر، توقفت التحويلات الطبية، ولم تعد سميحة قادرة على استكمال علاجها خارج القطاع. لاحقًا، واصلت المتابعة الطبية داخل غزة في مستشفى الصداقة التركي، وهو المستشفى الوحيد المتخصص بعلاج مرضى السرطان في القطاع، قبل أن يتعرض للقصف ويخرج عن الخدمة، ما أدى إلى انقطاع كامل في متابعة مرضى السرطان، بمن فيهم سميحة.
تكمل: “أعيش معاناة مركبة ما بين الحرمان من السفر للعلاج بالخارج ونقص حاد في أدوية تنظيم الهرمونات، وهي أدوية أساسية في بروتوكولات علاج سرطان الثدي لمنع عودة انتشار المرض بعد الاستئصال. يشكل غيابها خطرًا مباشرًا على صحتي النفسية والجسدية، وينذر بعودة السرطان وانتشاره في جسدي، في ظل عدم توفر بدائل علاجية أو متابعة طبية منتظمة”.
تواجه سميحة المرض والحصار ونقص الأدوية وسوء التغذية بسبب عدم توافر الخضروات واللحوم، وإن وجدت في غزة فإن أسعارها مرتفعة ولا تتمكن من شرائها، خاصة وأن زوجها مريض قلب ولا يعمل، ولا يوجد لها أي مصدر دخل، ما يتعارض مع المتطلبات الصحية لمرضى السرطان ويؤثر على قدرتها على التعافي. وفق قولها
منذ مارس/آذار 2025 يعيش قطاع غزة تحت حصار خانق شمل منع إدخال الغذاء والدواء، ليتحوّل التجويع إلى واقع يومي ينهك الأجساد المنهكة أصلًا بالمرض. ومع نفاد المخزون الغذائي وإغلاق المخابز، ارتفعت أسعار المواد الأساسية إلى مستويات خيالية، فأصبح كيس الطحين (25 كغم) يُباع بأكثر من 500 دولارًا، في وقت تعجز فيه العائلات عن تأمين وجبة واحدة يوميًا، آنذاك
هذا الانقطاع لم يقتصر على الطعام، بل طال الأدوية والمستلزمات الطبية، لتجد مريضات السرطان أنفسهن في مواجهة مزدوجة مع المرض والجوع، بلا علاج ولا تغذية كافية تحفظ لهن الحد الأدنى من الحياة.
وتشير سميحة إلى أنها حصلت مؤخرًا على تحويلة طبية تمكنها من السفر لاستكمال علاجها بالخارج، لكن مع استمرار إغلاق المعابر يبقى الأمل ضعيفًا.
تمثل حالة سميحة نموذجًا واقعيًا لمئات مرضى ومريضات السرطان في غزة، الذين حُرموا من حقهم في العلاج والرعاية الصحية نتيجة تدمير المنشآت الطبية، إغلاق المعابر، ونقص الإمدادات الطبية الأساسية، ما يضع حياتهم أمام تهديد مباشر ومستمر.” هذا تعليق مني كحصافية أعيش الواقع واعرف ماحدث”
وفق أحدث الإحصاءات حتى نهاية ديسمبر 2025، يوجد حوالي 12,500 مريض سرطان في غزة من مختلف الفئات العمرية، ويُشخّص سنويًا أكثر من 2,000 حالة جديدة، منها 122 طفلاً، بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية.
وتشير بيانات رسمية حكومية إلى أن أكثر من 28 مستشفى من أصل 35 تعرضت للتدمير أو خرجت عن الخدمة، كما قُتل أكثر من 1,700 من العاملين في القطاع الصحي منذ بدء الحرب.
إصابة بالمرض والحرب
على غرار سميحة، انصدمت مريم حميدة (38 عامًا) في مخيم النصيرات وسط غزة عندما شخص الطبيب المختص حالتها بإصابتها بسرطان القولون في 22 نوفمبر 2023.
تقول مريم: “لم يكن خوفي حينها من السرطان بقدر خوفي من الواقع المؤلم في غزة من حرمان علاج، والحرب والحصار، وتكدس المشافي بالمصابين والجرحى نتيجة مجازر الاحتلال التي استمرت طيلة عامين وأكثر، بالإضافة إلى تدمير المستشفيات والمرافق الطبية”.
هيأت مريم نفسها لمواجهة المرض وبدء البروتوكول العلاجي، لكن ما زاد سوءًا أن إصابتها جاءت خلال فترة الحرب، ما يعني عدم وجود بروتوكول علاجي منتظم وفق شرح الأطباء: لا علاج إشعاعي، ولا كيماوي منتظم، ولا متابعة طبية حقيقية، ولا خيار سوى استئصال الورم، وتعتمد قدرتها على التعافي على تقبل جسدها للعلاج.
تعيش مريم رحلة علاجية قاسية رغم حصولها على تحويلة طبية للسفر للعلاج بالخارج، إلا أن إغلاق المعابر يمنع ذلك، مما يستنزف صحتها بين انتظار علاج لن يأتي وأمل تحاول التمسك به لتجنب الاستسلام.
ليس فقط من سرطان القولون، ما أضر على جسد مريم المنهك من المرض بل إصابة بالغة في ساقها اليمنى تعرضت لها إثر قصف إسرائيلي استهدف حيّها السكني، ما زاد محنتها وألقى بثقله على حياتها اليومية التي تحولت إلى معركة مستمرة من أجل البقاء.
وتوضح أن منزلها آيل للسقوط في أي لحظة، ليس لأنه قديم فحسب، بل لأنه تضرر بشدّة من القصف المتكرر الذي يطال الأحياء السكنية في قطاع غزة، ما ترك آلاف المنازل مشوهة وهشّة وغير آمنة للسكن بسبب انهيار البنية التحتيّة وفقدان أي دعم هندسي أو موارد لإجراء الإصلاحات.
إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى أن نحو 92٪ من المنازل في القطاع تضررت أو دُمّرت بالكامل نتيجة القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة، ما جعل ملايين السكان بلا مأوى أو يعيشون تحت خطر انهيار المنازل على رؤسهم.
وسجلت صحة غزة استشهاد 18 شخص إثر سقوط 46 مبني متضرر بفعل القصف الإسرائيلي على غزة، لتصبح هذه المنازل قبوراً لأصحابها.
تضيف مريم: “أخبرني الأطباء بوضوح أن علاجي يجب أن يكون في الخارج، وأن التأخير يعني تدهورًا لا يمكن تداركه، ومع ذلك يمر الوقت ببطء وثقل، ويستمر جسدي في الانهيار، الألم يزداد، والمرض يتقدم، وأنا عالقة بين سرير المستشفى ونقص الأدوية المناسبة، بلا أفق واضح”.
كل يوم تتنقل مريم بجسدها الذي نهشه السرطان، بين أزقة المشافي تبحث عن فرصة علاج لها، تشاهد وجوهاً تعكس معاناتها، وتلتقي بأجساد تحمل أوجاعاً تفوق طاقتها، ترافق جرحى تحولت إصاباتهم القابلة للعلاج إلى إعاقات دائمة بسبب غياب الأدوية والعلاج، وتشاهد مرضى السرطان الذين يحملون تحويلات علاجية لا قيمة لها، فالمعابر مغلقة، وحياتهم معلقة على خيط رفيع قد ينقطع في أي لحظة.
بدأت مريم تفقد وزنها حتى وصل إلى 55 كيلوغرامًا من أصل 68 قبل المرض، خاصة في ظل المجاعة التي أدت إلى ضعف مناعتها وقدرتها على استقبال العلاج. تقول: “أعيش على المسكنات وبصعوبة بالغة أحصل عليها، وهي عادة غير متوفرة في المشافي أو المرافق الطبية، حتى الجمعيات المهتمة بمرضى السرطان في غزة لا تحتوي على علاج”.
3 مرضى يموتون يوميًا
على مدار أكثر من عامين، تحولت أزمة المرض في غزة من مجرد قضية صحية إلى مأساة إنسانية معقدة تتشابك فيها آثار الحرب والحصار مع انهيار النظام الطبي بالكامل.
في قلب هذه الأزمة يقف إغلاق معبري رفح المرتبط مع الجانب المصري جنوب قطاع غزة وإيرز (بيت حانون) شمال القطاع والذي يسيطر عليه جيش الاحتلال الإسرائيلي كحاجزين رئيسيين يمنعان المرضى والجرحى من الخروج لتلقي العلاج خارج القطاع، ما يزيد من حدة المعاناة ويهدد حياة الكثيرين.
في هذا السياق، يحذر الدكتور محمد أبو ندى، المدير الطبي لمركز غزة لعلاج السرطان، من أن حياة مرضى السرطان وخصوصًا النساء في غزة معلقة بخيط رفيع، وأنهم يواجهون حكمًا بالموت المحقق نتيجة انهيار منظومة العلاج إثر الحرب الإسرائيلية على غزة. مشيرا إلى أن ثلاثة مرضى يموتون يوميًا نتيجة انعدام العلاج الكيميائي والإشعاعي، ونقص العمليات الجراحية المتقدمة، إضافة إلى الحصار وتردي الظروف المعيشية.
ويقول: “تشهد غزة اليوم أزمة صحية طاحنة، خصوصًا في مجال مرضى السرطان، مع نقص حاد في الأدوية وحرمان واسع من خدمات التشخيص والعلاج، وسط استمرار إغلاق المعابر ومنع سفر المرضى لتلقي العلاج في الخارج. ورغم الوعود والتفاهمات الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار بتاريخ، 10 أكتوبر 2025 بدأ كجزء من خطة سلام أميركية هدفت إلى فتح معابر وتخفيف الحصار وإدخال مساعدات، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم تجاه مسؤولياته تجاه البنود المتفق عليها.
ويؤكد أن نساء غزة المصابات بالسرطان يعانين من أزمات مركبة تزيد من تفاقم أوضاعهن النفسية والجسدية؛ فالحصار والحرمان من العلاج، إلى جانب فقدان العديد منهن لأحبائهن والنزوح القسري، الذي يفرضه جيش الاحتلال إسرائيلي على كل منطقة بغزة يريد شن عملية عسكرية بها فيطرد سكانها منها بالقوة ويجبرهم على مغادرة مناطقهم مع انتشار أوامر الإخلاء والقصف، فتضطر الناس على العيش في أماكن نزوح تتمثل بمخيمات، ومراكز إيواء، تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
فيما شير إلى أن القصف الإسرائيلي استهدف المستشفيات المتخصصة، ومنها مستشفى الصداقة التركي، والمستشفى الأوروبي في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة مستشفى عبد العزيز الرنتيسي في حي النصر غرب القطاع وتدمير أجهزة الفحص المبكر مثل الماموغرام والرنين المغناطيسي، فضلاً عن انقطاع الكهرباء والوقود، مما أثر سلبًا على قدرة الأطباء في التشخيص والمتابعة، مما فاقم الأزمة.
ويضيف أن نسبة العجز في أدوية الأورام العلاجية وصلت إلى 70% بسبب إغلاق المعابر، ما تسبب في وفاة العديد من المرضى، وضيف بأن الاحتلال يمنع خروج المرضى للعلاج في الخارج، في استمرار لما يسميه الدكتور “مثلث الموت” الذي يهدد حياتهم يوميًا.
الأمر الأكثر خطورة وما ينذر تداعيات وخيمة أن معدلات الوفيات تضاعفت ثلاثة أضعاف مقارنة بما قبل الحرب، في ظل نقص الأدوية وتعطل الأجهزة الطبية، مما أدى إلى تأجيل وإلغاء مئات جلسات العلاج، وانتشار المرض بسرعة غير مسبوقة. وفق أبو ندى






