لمار المدهون..  طالبة ثانوية تقاوم الحرب بخيمة وكتاب

لمار المدهون..  طالبة ثانوية تقاوم الحرب بخيمة وكتاب
#الحماية_حق #cdmcgaza

غزة – هبة أبو عقلين 

في خيمة بسيطة داخل مخيم اليرموك وسط مدينة غزة، تجلس لمار المدهون(١٨) عام مع والديها واشقائها الثلاثة ، طالبة أنهت حديثاً مرحلة الثانوية العامة، بعينين أثقلهما السهر والخسارات المتتالية، وبقلبٍ لا يزال يتشبث بحلم التعليم وسط حرب لم تترك لحياتها شكلًا ثابتًا.

“كنت أرتب حقيبتي المدرسية وأفكر بيوم عادي، لم أكن أعلم أن ذلك الصباح سيكون آخر يوم أعيش فيه كطالبة”، بهذه الكلمات تستهل لمار المدهون عام حديثها عن اللحظة التي انقلبت فيها حياتها الدراسية رأسًا على عقب مع اندلاع الحرب على مدينة غزة .

لمار، مع بداية الحرب، كانت طالبة في الصف الثاني الثانوي، تعيش مع عائلتها في منزلهم بشارع العيون شمال مدينة غزة، وتحلم بإكمال تعليمها كغيرها من الطالبات، لكن اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023 أوقف عامها الدراسي بشكل مفاجئ، ووجدت نفسها بعيدة عن مقاعد الدراسة في ظل القصف المتواصل والنزوح المتكرر. 

 تتحدث لمار بحسرة : “بعد ذلك اليوم، لم أعد أذهب إلى المدرسة، لم تعد دروسي مهمة لأحد، كانت أصوات الصواريخ أعلى من أي شيء آخر وعداد الشهداء يزداد بشكل كبير”.

مع اندلاع الحرب، توقفت المدارس، وبدأ الخوف يقتحم تفاصيل الحياة اليومية، وبعد أيام قليلة، وتحديدًا في ١٤/١٠/٢٠٢٣، تلقت لمار الصدمة الأقسى بفقدان شقيقها فهد(١٥) عام ، الذي خرج لشراء الخبز ولم يعد، تقول لمار بصوتها المليئ بالدموع: “استشهد فهد  نتيجة استهداف الاحتلال الإسرائيلي لمكان قريب منه هو يحاول أن يؤمّن لنا الخبز و منذ تلك اللحظة لم تعد حياتنا كما كانت”.

ومع تصاعد القصف ،أُجبرت لمار هي وعائلتها  على النزوح إلى مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة خاضعين لأوامر الاحتلال الاسرائيلي بنزوح جميع سكان مدينة غزة إلى جنوب قطاع غزة، تاركين خلفهم منزلهم ومقتنياتهم وكتبهم المدرسية، لم يكن النزوح خيارًا، بل محاولة للنجاة، تقول المدهون: “كنا نعتقد أننا سنعود سريعًا، لم نكن نعلم أن رحلة النزوح ستطول لأكثر من عام ونصف”.

ومع اشتداد القصف، اضطرت العائلة إلى النزوح  نحو منطقة الصناعة في مدينة خانيونس، حيث أقامت هناك خيمة صغيرة من القماش المهترئ، هناك بدأت معاناة النزوح بكل تفاصيلها؛ البرد، الخوف، وانعدام الخصوصية، غير أن هذه المرحلة لم تدم طويلًا، فمع تقدم آليات الاحتلال الإسرائيلي ومحاصرة المنطقة بأواخر شهر يناير ٢٠٢٤، تعرضت الخيمة للقصف المباشر واحترقت بالكامل، ولم يكن هناك مكان آمن كما زعم الاحتلال الاسرائيلي ان منطقة جنوب قطاع هي الآمنة، كما قالت والدة لمار. 

تستعيد لمار تلك اللحظات قائلة:“حاصرتنا آليات الاحتلال، وألقوا قنابل متفجرة قرب الخيام، وفجأة اشتعلت النيران في خيمتنا، كنا نسمعهم يصرخون عبر مكبرات الصوت: اخرجوا فورًا من المكان، خرجنا نجري والنار تشتعل من حولنا، والقنابل لم تتوقف”.

وتضيف بصوت يرتجف: “في تلك اللحظة لم أفكر بالدراسة ولا بأي شيء آخر، كنت أفكر فقط كيف ننجو جميعًا، كنت أخاف أن نفقد أحدًا من عائلتنا مرة أخرى”.

وصلت العائلة إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، التي كانت تضم آنذاك مئات آلاف النازحين وفق تقديرات الأمم المتحدة .

واجهت واقعًا أكثر قسوة، في ظل انعدام الكهرباء، وشح المياه، وغياب الإنترنت، تقول: “هناك شعرت أن حلمي في التعليم انتهى، كل شيء كان مفقودًا كأن تعيش في الصحراء”.

في شهر مايو 2024، ومع إصدار الاحتلال أوامر بإخلاء مدينة رفح، التي كانت تضم قرابة مليون نازح، اضطرت لمار وعائلتها إلى النزوح مجددًا، هذه المرة إلى منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، حيث عاشوا في خيمة متهالكة وبالظروف القاسية ذاتها.

في الزوايدة، اتخذت لمار قرارًا حاسمًا بعدم الاستسلام ،بدأت تبحث عن أي وسيلة تُمكّنها من متابعة تعليمها، واستعانت بهاتف والدتها، الهاتف الوحيد الذي تمتلكه العائلة، تقول:“كنت أتابع التعليم الإلكتروني عبر الهاتف، رغم ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء، كنت أشعر أن التعليم هو الشيء الوحيد الذي أقاوم به”.

وتزامن ذلك مع انقطاع واسع للكهرباء والمياه وخدمات الاتصالات في قطاع غزة، بعد توقف محطة التوليد ونفاد الوقود وإغلاق المعابر منذ الأيام الأولى للحرب، ووفق بيانات صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) وسلطة الطاقة في غزة، انقطعت الكهرباء بشكل شبه كامل عن القطاع، كما تضررت شبكات المياه والاتصالات نتيجة القصف الإسرائيلي المتكرر ونقص الوقود، ما صعّب على الطلبة، ومنهم لمار، الوصول إلى الإنترنت أو شحن أجهزتهم لمتابعة التعليم الإلكتروني.

وبإصرار كبير، أنهت لمار مرحلة الصف الثاني الثانوي، ثم واصلت تسجيلها بالطريقة ذاتها لإكمال مرحلة الثانوية العامة ،كانت والدتها تبيع بعض المساعدات التي تحصل عليها من وكالة الغوث (الأونروا)  لتأمين الكتب والملازم الدراسية، فيما كانت العائلة تستغني عن الهاتف ليلًا لتوفير البطارية، ليبقوا في ظلام دامس. 

تضيف لمار:“كنا نضيء الخيمة بكشاف الهاتف، بعض الاحيان كنا نعيش في الظلام  لتوفير البطارية للدراسة وكنت أدرس وسط العتمة”.

ورغم ضيق المكان، حيث تعيش العائلة المكونة من ستة أفراد في خيمة واحدة، وضوضاء البكاء المستمر لشقيقتها الطفلة روان، التي كانت تعاني من سوء تغذية حاد آنذاك.

وذكرت اليونيسيف أن معدلات سوء التغذية بين الأطفال شهدت ارتفاعًا في ظل شح الغذاء.

ورغم الدراسة عبر التعليم الإلكتروني وفي ظل النزوح وانقطاع الكهرباء، حصلت لمار على معدل (82.7%) في الثانوية العامة، وهو ما وصفته بأنه “ثمرة تعب عامين من المحاولات المستمرة”. 

تضيف والدة لمار هناء المدهون (36 عامًا) عن مشاعر مختلطة من الفرح والقلق عاشتها العائلة خلال تلك الفترة، قائلة:“نجاح لمار كان الشيء الوحيد الذي أدخل الفرح إلى قلوبنا وسط كل هذا التعب ،رغم الخوف والنزوح والجوع، شعرتُ أن تعبنا لم يذهب هدرًا، وأن ابنتي استطاعت أن تصنع لنا لحظة أمل صغيرة”.

وتضيف والدتها قائلة:“جاء هذا النجاح في وقت كانت تعيش فيه أسرتنا ضغوطًا نفسية كبيرة، خاصة مع تدهور الحالة الصحية لابنتي الطفلة روان، البالغة من العمر عامًا واحدًا، والتي عانت من سوء تغذية حاد في ظل شح الغذاء وصعوبة توفير العلاج ،واصابة زوجي منير المدهون (44) عام، حين ذهب محاولاً الحصول على مساعدات في منطقة زكيم ،رغم ذلك، كانت فرحة لمار بلسمًا خفف عنا بعض الألم، وأشعرنا بأننا ما زلنا قادرين على الاستمرار “

إن ما تعرّضت له لمار المدهون وعائلتها، من نزوح قسري متكرر، وتدمير للمنازل، وحرمان من الحق في التعليم، يشكّل انتهاكًا صارخًا لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما المادة (49) التي تحظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المدنيين من الأراضي المحتلة، وتُلزم قوة الاحتلال بضمان حماية المدنيين وعدم تعريضهم لمخاطر التهجير المتكرر، حسب ما ورد في القانون الدولي الإنساني. 

كما يتعارض تعطيل التعليم وتدمير المدارس، وحرمان الطلبة من بيئة تعليمية آمنة، مع المادة (50) من الاتفاقية ذاتها، التي تنص على وجوب تسهيل عمل المؤسسات التعليمية، وضمان حق الأطفال والشباب في التعليم، حتى في أوقات النزاع المسلح، حسب  ما ورد في القانون الدولي الإنساني. 

يُعدّ إجبار لمار على مواصلة تعليمها من خيمة، دون كهرباء أو أدوات تعليمية، نموذجًا واضحًا لانتهاك هذه الالتزامات القانونية الدولية.

وفق بيانات وزارة التربية والتعليم في قطاع غزة، فإن نسبة كبيرة من البنية التعليمية دُمّرت أو تضررت بشكل يفوق 95%، مما أبعد معظم الطلاب عن المدارس وتحول العديد من المباني التعليمية إلى ملاجئ للنازحين، مما أجبر السلطات على الاعتماد على وسائل بديلة للتعليم مثل التعلم عن بُعد والمساحات التعليمية المؤقتة.

ويقول مجدي برهوم، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم بالقطاع:“قطاع التعليم في غزة تكبّد خسائر فادحة حيث دُمّرت أغلب المدارس وتحولت ما تبقى منها إلى أماكن لإيواء النازحين ، رغم ذلك، نعمل على إيجاد طرق بديلة لإيصال التعليم للطلاب، بما في ذلك توسيع استخدام التعليم عن بُعد.”

ورغم الحرب، التحقت المدهون بكلية التمريض في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية عبر التعليم الإلكتروني، في خطوة تصفها بأنها محاولة للتمسك بالحياة ،وتوضح: “أريد أن أكون ممرضة، أداوي جراح الناس، ربما لأننا نعيش وسط هذا الكم من الألم”.

وتختم حديثها بأمنية بسيطة: “أن تعود الحياة كما كانت، أن تعود المدارس والجامعات، وأن نعيش بكرامة دون خوف وان ترجع غزة جميلة كما كانت”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى