“الطحين المرّ” حين عاد حسن محمولاً على الأكتاف

هبة نبهان:
في إحدى زوايا مدرسة للنازحين وسط قطاع غزة في مدرسة العز بن عبد السلام في المفتي، حيث الفصول تحوّلت إلى ملاجئ تفتقر لأبسط مقومات الحياة، جلست أم حسن ذات الاربعين عام تحتضن بقايا ثياب ابنها الملطخة بالدم. تحدّثه وكأنه لا يزال يركض نحوها بكيس الطحين، باسماً رغم الجوع، حيّاً رغم الغياب.
كان حسن، شاب غزي في مقتبل العمر يبلغ ٢٢ عاماً ، لا يطلب الكثير من الحياة، كل ما أراده في ذلك اليوم، 21 يوليو 2025، أن يُحضر كيساً من الطحين لأسرته التي أعياها الجوع. الحرب الطويلة والمجاعة أنهكتهم، ولم يتبقَّ في البيت ما يسدّ الرمق، الجوع كان ينهشهم، لا سيما إخوته الصغار وأمه المريضة.
قالت والدته المريضة ام حسن وهي تروي آخر لحظات جمعتها به: ” كنت تعبانة من الجوع أخذني عالدكتور، ووصلني عالمدرسة اللي ساكنين فيها بعد ما نزحنا من المغراقة ودمرو دارنا وصارت منطقة عسكرية بنقدرش نوصلها وعشنا بهاي المدرسة ، وقال يما رايح اجيب طحين وبرجع بسرعة عشانك يما انتي واخواتي ومرتي “
أما زوجته نسمة ، التي لم يمضِ على زواجهما وقت طويل، فتكمل: “كان حنون، وكان كل همه يوفر أكل إلنا، خصوصاً لبنتنا الصغيرة فيروز عمرها شهرين اللي ما كنت قادرة ارضعها من كتر الجوع… راح وما رجع.”
وأوضحت والدته:”ان حسن لم يكن يريد الذهاب إلى دوار النابلسي لكنه اضطر لأن بيتهم خلا من الطعام، وعمله سواق لم يعد مجدياً بسبب الغلاء الفاحش ،لكن رحلته الأخيرة انتهت بدماء، لا بكيس طحين. أصيب حسن برصاص الجيش الاسرائيلي في الرأس أثناء محاولته احضار بعض الطحين، وسقط أرضاً، لم يعد كما خرج، عاد محمولًا على الأكتاف، جسدًا بلا روح، بدلًا من أن يحمل الطحين الذي خرج من أجله”.
وأكملت زوجته بصوت مكسور ” حسن كان رافض يروح يجيب طحين من شدة الخطر ، بس الجوع قهرنا، حتى بنتنا الصغيرة كانت بتبكي من الجوع وكان حسن نفسه ينقذنا ، بس راح وخلانا نغرق بالفقد والموت والجوع”
وكالات الأمم المتحدة (FAO وUNICEF وWFP) أصدرت بيانًا في 29 يوليو 2025 تقول فيه: المؤشرات الأساسية للغذاء والتغذية تتجاوز عتبات المجاعة في غزة، أكثر من 500,000 شخص – ما يقارب ربع السكان – يواجهون أوضاعًا تشبه المجاعة ونسبة سوء التغذية لدى الأطفال ارتفعت بشكل حاد.
تقرير رسمي من برنامج الأغذية العالمي (WFP )في أبريل/نيسان 2025 أفاد أن:برنامج الأغذية العالمي أنهى توزيع جميع مخزوناته الغذائية في قطاع غزة بعد استمرار إغلاق المعابر، ولم يعد لديه مخزون للطعام أو الطحين للمساعدة.
الأثر كان أن الأسر لم تعد تجد طحينًا كافيا في الأسواق أو لدى منظمات الإغاثة، وهو ما دفع الناس للبحث عنه بأنفسهم أينما وجد مثل نقاط انتظار شاحنات المساعدات عند دوار النابلسي.
تقارير الأمم المتحدة أكدت أن كل المخابز المدعومة من الأمم المتحدة بما فيها التي كانت توفر الخبز من دقيق الطحين أغلقت بسبب نفاد مخزون الدقيق ووقود التشغيل.
وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الطحين في السوق،حيث أصبح غالبية الناس غير قادرين على شرائه من السوق التجارية مما دفعهم للبحث عنه في نقاط توزيع محدودة أو ما يصل إلى دوار النابلسي.
ومن جهتها قالت الممرضة إيمان شعبان من قسم الاستقبال والطواريء في مستشفي العودة وسط قطاع غزة :في قلب المعاناة المستمرة التي يعيشها سكان قطاع غزة ، نستقبل في القسم يوميًا عشرات الإصابات، معظمها من نقاط توزيع المساعدات، نتيجة الاستهداف المباشر .
وأضافت شعبان : “الوجوه التي تصلنا مُنهكة، وكثير من الإصابات حرجة. نشعر أن الناس بين خيارين: الموت جوعًا أو الموت برصاصة أثناء بحثهم عن كيس طحين أو عبوة طعام.”
وأكملت شعبان : أنهم يواجهون صعوبات كبيرة في نقل المصابين من نقاط توزيع المساعدات إلى المستشفى، حيث تؤدي الظروف الأمنية المتدهورة إلى تأخر وصولهم بسبب استهداف سيارات الإسعاف، مما يعرضهم لإصابات إضافية أثناء الانتقال. هذا الوضع يضاعف من معاناة المرضى وأسرهم.
ومن جهته وضح المحامي سعيد عبد الله الانتهاكات الجسيمة في قصة حسن للحقوق الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان. فقد تم انتهاك حق الحياة، وهو الحق الأسمى الذي يكفله العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته السادسة.
وأكمل عبد الله كما تم انتهاك حق حسن وأسرته في الغذاء الكافي، وهو حق معترف به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 25) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 11).
وأضاف عبد الله، تعرض حقهم في الرعاية الصحية المناسبة للانتهاك، وفقاً للمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالإضافة الى انتهاك حرية التنقل والأمان الشخصي لحسن، وهذا ما يتعارض مع المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تضمن حرية التنقل والأمان.





