الصف العابر للجدران

الصف العابر للجدران
#الحماية_حق #cdmcgaza

بقلم: عبير نافذ الخرطي

في حي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث تحولت الشوارع إلى ممرات من الركام بفعل الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تعد أجراس المدارس تقرع، فالفصول التي كانت تضج بضحكات الأطفال تحولت إلى أطلال، والحقائب المدرسية أصبحت رماداً تحت الأنقاض، ومع ذلك، ومن قلب هذا الخراب، وُلدت فكرة استثنائية: “الصف العابر للجدران”.

تعليم تحت القصف: أرقام صادمة

مقالات ذات صلة

إن ما يواجهه التعليم في غزة اليوم هو “إبادة تعليمية” منظمة؛ فوفقاً لبيانات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية وتقرير صادر عن المكتب الحكومي ، فقد حرمان 785,000 طالب من حقهم في التعليم، وتؤكد الإحصائيات الرسمية أن نحو95% من المبانى المدرسية والجامعية في القطاع تعرضت لتدمير كلي أو جزئي.

ولم يتوقف الدمار عند الحجر، بل طال الكادر البشري؛ حيث تشير تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي إلى   استشهاد أكثر من 1,000 طالب،️ واستشهاد 88 معلماً و45 أكاديمياً وباحثا،.وإصابة الآلاف من الطلبة والكوادر التعليمية، مما جعل استمرار العملية التعليمية بالطرق التقليدية أمراً مستحيلا

المعلم فادي: إذا سقطت الجدران فالعلم باقٍ

وسط هذه الأزمة، لم يستسلم المعلم فادي أبو حسونة (38 عاماً)، مدرس اللغة العربية في مدرسة الزيتون الأساسية، الذي فقد مكان عمله بعد تحول مدرسته إلى مركز إيواء للنازحين، يقول فادي: “في كل صباح، أحمل حقيبتي وأتجول في الحي، أدرّس الأطفال في غرفهم المدمرة جزئياً، في الساحات العامة، وحتى في الزوايا التي كانت يوماً مقاهٍ شعبية قبل أن يتوقف نبضها، فكرتي كانت بسيطة: إذا كانت الجدران قد سقطت، فليكن الصف عابراً لها.”

فاطمة النجار: الشرفة التي أصبحت وطناً للعلم

على مقربة من مسارات فادي، كانت فاطمة النجار (42 عاماً)، وهي أرملة الشهيد خالد النجار الذي ارتقى في قصف على سوق الشجاعية، تحاول لملمة جراح طفليها هاجر (10 سنوات) ومحمود (8 سنوات)، فاطمة، التي تضررت أجزاء واسعة من منزلها، لم تقف مكتوفة الأيدي رغم آلام الفقد، بل قررت تحويل “شرفة المنزل” إلى صف مؤقت.

تقول فاطمة: “اقتطعت هذا الجزء من بيتي ليكون ملاذاً لطفليّ ولأطفال الحي، جهزت المكان بطاولة وكراسي بلاستيكية بسيطة، لاستضيف المعلم فادي أو المتطوعين لتدريس الصغار، فعلت ذلك لأنني أؤمن أن الجهل هو العدو الثاني لنا بعد الحرب، ولأبقي روح الأمل حية في عيون هاجر ومحمود.”

وانضمت للمبادرة أيضاً رنا أبو عودة (23 عاماً)، خريجة اللغة الإنجليزية، التي رأت في التطوع وسيلة لكسر حالة العجز، تقول رنا: “التعليم في زمن الحرب هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية.”

أما مؤمن أحمد (26 عاماً)، خريج هندسة الحاسوب، فيبذل جهداً مضاعفاً لتدريس الأطفال مبادئ البرمجة، يقول مؤمن: “أدرّسهم باستخدام هاتفي المحمول فقط، في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت بسبب الحصار والاستهداف المباشر لمحطات الطاقة، نعتمد على الإرادة، هؤلاء الأطفال يستحقون أن نحارب لأجل مستقبلهم الرقمي حتى وسط الركام.”

الطفل آدم حمودة (11 عاماً)، النازح من حي الشجاعية والعيش حالياً مع والدته سمر في “خيمة” بجوار الأنقاض، يجسد هذه الإرادة؛ فقد صنع جدول حصصه من ورق كرتوني وجده بين الردم، يقول آدم ببراءة: “المدرسة راحت، بس الأستاذ فادي رجّعلي المدرسة لعندي في الخيمة.”

ولا تقتصر هذه الجهود على الأفراد؛ إذ يسعى الفلسطينيون للتغلب على أزمة التعليم عبر “مبادرات الخيام التعليمية” و”التعليم الشعبي”.

يبقى “الصف العابر للجدران” صرخة جماعية في وجه محاولات التجهيل، ورسالة يكتبها أهل غزة بدمائهم وصبرهم: أن العلم في فلسطين لا يُقصف، ولا يُهدم، ولا يُهزم ما دام هناك معلم يحمل حقيبته وأم تفتح شرفتها للضوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى