داخل الخيام والفصول المغلقة.. تلوث الهواء يفاقم معاناة النازحين في غزة

داخل الخيام والفصول المغلقة.. تلوث الهواء يفاقم معاناة النازحين في غزة
#الحماية_حق #cdmcgaza

ميسون كحيل

تعيش آلاف الأسر النازحة في قطاع غزة داخل مخيمات تحولت إلى ملاجئ جماعية، في ظروف بيئية وصحية قاسية، بفعل الاكتظاظ الشديد وضعف التهوية وتلوث الهواء الداخلي، ما يشكل تهديدًا مباشرًا على صحة الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين.

تروي رشا أحمد (33 عامًا)، النازحة من حي الأمل في مدينة خان يونس إلى منطقة المواصي غرب المحافظة، أنها اضطرت لمغادرة منزلها بعد أن قصفه الجيش الإسرائيلي مع بدء الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. تقول رشا، التي تعيش اليوم داخل خيمة مع والدتها المريضة بعدة أمراض مزمنة: “أجلس أغلب الوقت قرب باب الخيمة لأتنفس. الهواء في الداخل خانق، خصوصًا حين نغلقها بسبب البرد أو الرياح. أمي تسعل طوال الليل، والدخان والغبار يزيدان حالتها سوءًا”.

وتضيف أن الخيمة لا توفر تهوية حقيقية، وأن الطهي بالحطب أو حرق النفايات في محيط المخيم يفاقم الوضع داخلها. “أحيانًا أستيقظ على صداع شديد وضيق في الصدر. أكثر ما يخيفني أن تبقى أمي على هذا الحال لفترة طويلة، فالوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم”.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد النازحين في قطاع غزة حتى 16 فبراير/شباط 2026 نحو مليوني نازح، غالبيتهم نزحوا من شمال القطاع ومدينة غزة ورفح باتجاه المناطق الوسطى والجنوبية بعد أوامر الإخلاء، في ظل تدمير واسع طال الأحياء السكنية والبنية التحتية.

في مدينة دير البلح وسط القطاع، يصف مدير أحد المخيمات، الدكتور توفيق أبو جراد، وهو نازح من بيت لاهيا في الأسبوع الأول من الحرب، الواقع داخل المخيم بأنه “تجاوز كل الحدود الممكنة”. ويوضح أن المخيم مقام على مساحة لا تتجاوز 3 دونمات و800 متر مربع، ويضم حاليًا 94 أسرة، أي نحو 414 فردًا، رغم أن قدرته الاستيعابية لا تتجاوز 40 إلى 50 أسرة فقط.

ويشير أبو جراد إلى أن هذا التكدس السكاني داخل خيام مغلقة ومكتظة يضغط على كل تفاصيل الحياة اليومية، ويُسرّع انتقال الأمراض المعدية، خاصة الفيروسية، في بيئة تفتقر إلى الشروط الصحية الأساسية.

وتأتي أزمة الاكتظاظ في سياق دمار واسع طال القطاع السكني في غزة، ما فاقم من حدة النزوح وضغط مراكز الإيواء. فقد أظهرت صور أقمار صناعية حديثة حللتها خدمة الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، وهي برنامج تابع لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث متخصص في تحليل صور الفضاء لدعم العمل الإنساني، أن نحو 81% من مباني قطاع غزة تعرضت لأضرار متفاوتة حتى 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ووفق تحليل UNOSAT، جرى رصد 123,464 مبنى مدمّرًا بالكامل، ليصل إجمالي المباني المتضررة إلى 198,273 مبنى، بزيادة قدرها 4% مقارنة بتقييم يوليو/تموز الماضي، وارتفاع بنسبة 18% في عدد المباني المدمّرة. كما تشير التقديرات إلى تضرر نحو 320,622 وحدة سكنية، بالتزامن مع موجات نزوح واسعة، خصوصًا من محافظة غزة باتجاه المحافظات الجنوبية. وأكد التقرير أن هذه النتائج أولية ولم تُتحقق ميدانيًا بعد.

ولا تقتصر الأزمة على ضيق المكان، بل تمتد إلى نوعية الهواء داخل أماكن الإيواء. ووفق أبو جراد، يعاني السكان من ضيق في التنفس وارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بالأمراض الصدرية، في ظل اضطرار الأهالي إلى حرق القمامة لغياب آليات نقل النفايات، ما يؤدي إلى انبعاثات مستمرة تزيد من تفاقم الوضع الصحي.

وتؤكد فاطمة ساكن (30 عامًا)، النازحة من حي الزيتون جنوب مدينة غزة إلى المحافظة الوسطى، أن المعاناة تتضاعف في الشتاء. وتقول إن الخيمة تُغلق معظم الوقت اتقاءً للبرد والأمطار، بينما تتداخل أنشطة الطهي والنوم والمعيشة داخل مساحة محدودة، ما يجعل الأجواء خانقة ويؤثر على الراحة والصحة، خاصة لدى الأطفال.

ويمتد تأثير الاكتظاظ وسوء التهوية إلى العملية التعليمية داخل المخيمات. يوضح أبو جراد أن الخيام المستخدمة للتدريس تفتقر إلى التهوية المناسبة، وتزداد معاناة الطلبة مع الظروف الجوية القاسية، مثل الأمطار والسيول وطبيعة الأرض الطينية، ما يجعل بيئة التعلم غير مريحة ويؤثر سلبًا على التركيز والاستيعاب.

ودمّر جيش الاحتلال الإسرائيلي 143 مدرسة وجامعة بشكل كلي، فيما لحقت أضرار جزئية بـ366 مدرسة وجامعة أخرى، وفق إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة في 16 فبراير/شباط 2026. هذا الدمار الواسع حوّل ما تبقّى من المؤسسات التعليمية إلى مراكز إيواء مكتظة، الأمر الذي فاقم أزمة التعليم وترك آلاف الطلبة بلا بيئة دراسية آمنة.

في هذا السياق، يصف الدكتور نزار الوحيدي، الخبير البيئي في وزارة الزراعة بغزة، ما يجري داخل مراكز الإيواء والخيام بأنه أزمة صحية وبيئية ونفسية واجتماعية صامتة، مؤكدًا أن تلوث الهواء ليس مشكلة تقنية فقط، بل نتيجة تداخل معقد بين الاكتظاظ وغياب البنية التحتية.

ويشير الوحيدي إلى أن الاكتظاظ وتراكم النفايات أسهما في انتشار الحشرات المتطفلة مثل القمل والبراغيث، إضافة إلى الفئران التي تعمل كناقلات مباشرة للأمراض، ما يضاعف المخاطر الصحية. كما يلفت إلى أن إغلاق الخيام بالشوادر من دون فتحات كافية لتجديد الهواء يؤدي إلى استنشاق هواء ملوث لفترات طويلة.

ويضيف أن تدمير شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات الصلبة والسائلة يخلقان ملوثات إضافية تعمّق الأزمة الصحية، فضلًا عن انعكاسات نفسية واجتماعية تتمثل في النزاعات والمشاجرات الناتجة عن ضيق المكان وغياب الخصوصية.

من جانبه، يشير مختص الصحة العامة الدكتور عبد الله أبو سليمان إلى أن المراكز الصحية تسجل ارتفاعًا في مراجعات المرضى الذين يعانون من التهابات الجهاز التنفسي وأمراض جلدية ومشاكل في العين نتيجة الغبار والممارسات البدائية للطهي والتدفئة، محذرًا من آثار صحية طويلة الأمد.

ويؤكد أن التعرض المستمر لبيئة غير صحية قد يؤدي إلى أمراض تنفسية وقلبية مزمنة واضطرابات نفسية، مشددًا على أهمية تحسين التهوية، وتوفير بدائل آمنة للطهي، وتعزيز الرعاية الطبية والدعم النفسي للفئات الأكثر هشاشة في ظل استمرار النزوح وتدهور الظروف المعيشية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى