الأسيرة المحررة أسماء شتات :” اعتقلوني أمام أطفالي ومنعوا ارتدائي الحجاب”

دعاء شاهين-غزة
في فجر يوم 30 آذار/مارس 2024، لم يكن الضوء قد تسلل بعد إلى خيام النزوح في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة حين انقلب النوم إلى فزع، والهدوء إلى عاصفة نار.
كانت ليلتها تحاول أسماء شتات قبل أسرها من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي، تحتضن أطفالها الثلاثة (جنى 13 عامًا، ياسر 8 سنوات، حمودة 3 سنوات) في خيمة هشة نزحت إليها بعد أن دمر الاحتلال الإسرائيلي منزلها في مدينة دير البلح وسط غزة.
ولم تعد منازل كثيرة في المدينة أو في القطاع بأكمله آمنة، فقد استهدفت الغارات الإسرائيلية المدنيين بشكل واسع، ودمرت آلاف منازل الغزيين، مما دفعهم للنزوح إلى مناطق أقل تضررًا أو إلى مراكز النزوح، الخيم، في وقت حيث يعاني السكان من اكتظاظ شديد وظروف معيشية صعبة، أبرزها قلة توافر المياه الصالحة للشرب، غرق الخيام بمياه الأمطار بفصل الشتاء وتحولها لكتل من الحرارة بفصل الصيف، وقلة توافر المياه وانعدام الخصوصية.
في ذلك الوقت كانت تحاول أن تسرق ساعة أمان من ليل الحرب، حين شق القصف الإسرائيلي السماء، واقتحمت أصوات الطائرات المكان والقذائف كانت تطلق من كل حدب وصوب تجاههم، بالتزامن مع دخان خانق من قنابل غاز الفلفل ألقاه الجيش الإسرائيلي حينما اقتحم خيمتهم لاعتقال أسماء وزوجها، لتصبح الخيام الآن ملاذًا هشًا وسط صخب القصف والمعاناة.
ليلة الاعتقال
تروي أسماء عن لحظة اعتقالها من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي: “استيقظت من نومي مفزوعة لا أستطيع التنفس من شدة دخان الفلفل الذي أطلق علينا، فيما كان أطفالي يصرخون يبكون من شدة الخوف، خاصة حمودة وهو طفلي المدلل أحرص على صحته يعاني من مرض في الجهاز التنفسي”.
في تلك اللحظات المريرة خرج زوجها من الخيمة ليعرف ما يحدث لم يعد، منذ ذلك الفجر، اختفى أثره، وبقي مصيره مجهولًا حتى اليوم. بحسب شهادة الأسيرة المحررة.
تكمل أسماء بقولها: “لم تمضِ دقائق حتى نفّذت قوات الاحتلال إنزالًا عسكريًا من الطائرات داخل المخيم. اقتحم الجنود المكان، بينما كنت بملابسي البيتية من دون حجاب حضنت أبنائي وبدأت أنطق الشهادتين”.
تضيف روايتها ” قلت لنفسي: “سيتلقون النار علينا ويعدمونا جميعا”، لكن أحد الجنود سحب أولادي مني وقاموا بتكبيل أيدي ابنتي جنى بالأصفاد ثم قيد يداي ومنعني أرتدي الحجاب وقاموا بسحلي من شعري للخارج مع الضرب والتنكيل كسر أنفي وتهشم وجهي، أمام أطفالي حتى باتت ملابسي كلها دم، ثم أخذوني وانا أبكي وأصرخ على أولادي لا أعرف ماذا سيحل بهم ووضعوني بناقلة الجند واقتادوني لمنطقة خارج غزة”.
ظلت أسماء وفق روايتها معصوبة الأعين ومكبلة الأيدي خلفها طيلة الطريق ولا تعرف أين هي حتى وصلت بعد ساعات لمعتقل عسقلان وعرفت أسمه عندما أخبرها المحقق:” أسماء أهلا وسهلا بكي في سجن عسقلان”.
حينها أدركت أنها أصبحت معتقلة بين قضبان السجون الإسرائيلية لتبدأ رحلتها مع فصول المعاناة والانتهاكات.
خضعت أسماء للتحقيق لمدة 14 يوم، لم تكن تعرف فيهن ليلها من نهارها، تقضي قرابة 16 ساعة يوميا معصوبة العينين مكبلة اليدين للخلف أثناء التحقيق.
تقول أسماء:” قضيت أيام ظلماء في تحقيق عسقلان كان المحققون يهددوني بأولادي، أحيانا يقولون لي أنهم قتلوا بالقصف وأحيانا يخبروني أنهم أحياء، الطعام كان شحيحا لم أتذوق الطعام طيلة فترة الاعتقال كانوا يقدمون لي وجبة صغيرة تحتوي فقط على قطعة صغيرة جدا من خيارة واحدة، وقطعة خبزة صغيرة، وقطعة جبنة تبدو على شكل مثلث صغير، لا تكفي لسد جوع طفل رضيع ومليئة بالحشرات أمتنع عن أكلها”.
تعذيب وتهديد بالأبناء
بعد انتهاء التحقيق، نُقلت أسماء إلى سجن إسرائيلي آخر” دامون”، وهو سجن يعرف على أنه سجن النساء الأمني الوحيد داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في مدينة حيفا.
تصفه أسماء بأنه “مكان يشبه اصطبلًا للحيوانات، يضم 13 زنزانة بظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية”.
تشرح ما تعرضت له من انتهاكات قاسية أولا كونها أسيرة فلسطينية وثانية والأهم بالنسبة للمدراء السجن أنها معتقلة من غزة هذا ما يجعل الانتهاكات مضاعفة بحقها.
“تعرضت للتفتيش العاري، والضرب المتكرر، والإهانات اللفظية والنفسية، كانوا يسحبون منا الأغطية والملابس بفصل الشتاء، ويشغلون جهاز تكييف الهواء تحت الصفر في غرف التحقيق بفصل الشتاء، كنا نعاني كأسيرات من قلة النظافة الشخصية تحديدا بالصيف وحرماننا من الاستحمام والحصول على أدوات النظافة الشخصية والفوط الصحية اللازمة لنا كنساء”.
وتشير أسماء بقولها إلى أنها شاهدت أسيرات كبيرات في السن يتعرضن للضرب بالنعال، والتفتيش العاري، فيما خضعت أسيرات أخريات لتفتيش جماعي داخل زنزانة واحدة، كما تشير إلى وقوع حالات تحرش جنسي من قبل إحدى السجّانات بحق أسيرة.
ورغم التنكيل الذي كانت تتعرض له الأسيرة المحررة أسماء عندما كانت خلف القضبان الإسرائيلية لم ينقص ذلك من عزيمتها لكن ما يقلقها خوفها على أطفالها وعدم معرفتها مصيرهم تكمل:” حرموني بالسجن من لقاء المحامي ومن أي تواصل مع مؤسسات حقوقية، وكل الضغط النفسي كان بأولاد”.
فيما تضيف عن أبرز اللحظات بالسجن عندما جاءها خبر عن أطفالها أنهم على قيد الحياة من خلال أسيرة محررة من الضفة المحتلة تواصلت مع عائلتها وأخبرتها من خلال محامي تواصل مع أسيرة من الضفة كانت الزنزانة مع أسماء، يومها لم تصدق الخبر وبدأت تصرخ والدموع لم تتوقف من شدة فرحتها، واحتفلت الأسيرات بالخبر بطريقتهن الخاصة، فصنعوا لها كيكة من خبز ناشف والقليل من المربى بالمعتقل الإسرائيلي.
تلاعب إدارة السجون بالحرية
في 13 كانون الثاني/يناير 2025، أُعلن عن تهدئة نسبية وصفقة تبادل بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس بوساطة مصر وقطر والولايات المتحدة، تضمنت وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار وإطلاق سراح بعض الأسرى الفلسطينيين مقابل اطلاق رهائن إسرائيلين، مع السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة.
و كان من المفترض أن يشمل الاتفاق الإفراج عن أسماء شتات في 19 كانون الثاني، لكن الاحتلال الإسرائيلي تلاعب بالأسماء وأخّر تنفيذ الصفقة، لتظل محتجزة حتى 27 شباط/فبراير 2025، ما زاد من معاناة الأسرة في الخيام وسط ظروف النزوح والصعوبات اليومية.
تقول أسماء :”«طلعوا الأسيرات وحدة وحدة… ولما وصلوا إلنا، تركوني أنا وأسيرة ثانية من غزة، كل سبت كنت أنتظر الافراج عني، حتى جاء السبت السادس الثالثة فجرا نادى أحد السجانين على اسمي، وقال “خارجة لتحقيق، مش إفراج… بس ليكسر فرحتي”، لكن في تلك اللحظة كان شعور أسماء يراودها أنها الحرية ولن تعود ثانية للقضبان الإسرائيلية.
وتتابع: “اللحظة الأولى خارج السجن كانت ثقيلة بقدر ما كانت حنونة، لم أصدق بداية أني خرجت وشاهدت السماء والنور بعد عام من الظلام، كانت تسير بي مركبة الصليب الأحمر بين الركام صرت أبكي على غزة من شدة الدمار، حتى وصلت مستشفى ناصر الطبي لإجراء فحوصات، وكان أبنائي بانتظاري، شاهدت أولادي بعد انتظار، لم أنتظر الفحوصات نزلت من المركبة وحضنتهم، وكان يناديني باسمي، مش ماما”، تقول، واصفة تلك اللحظة بأنها “صدمة لا تقل قسوة عن السجن.”
اليوم أصبحت أسماء محررة من سجون الاحتلال، تعيل أسماء أبناءها الثلاثة وحدها في ظل غياب زوجها المجهول المصير، لازالت مازحة في الخيمة الهشة التي نزحت إليها بعد تدمير منزلهم في دير البلح، ضمن تجمع خيامي يضم عشرات العائلات الأخرى.
وعادت لاستكمال عملها كمعلمة، لكن دخلها لا يكفي لإعالة الأسرة في واقع مرير مثقل بأوضاع معيشية صعبة، بالكاد توفر قوت يوم أطفالها، وتعتمد أحيانًا على المساعدات الإنسانية المحدودة من مؤسسات إغاثية دولية ومبادرات شبابية مالية لتغطية حاجات أسرتها الأساسية من طعام وماء واحتياجات الأطفال يوميا.
فيما على الناحية الأخرى تصارع أسماء الوقت والأيام تعيش على أمل أن تصلها أخبار عن زوجها، بينما تحاول حماية أطفالها من صدمة القصف المستمر وظروف الخيمة الصعبة وتقضي أيام بين الأمل والخراب.
“هكذا انتهى فجر الاعتقال، لكن أثره لم ينته، خرجت أسماء من خلف القضبان، غير أن الزنزانة ما زالت تسكن تفاصيل يومها… بين أم تحاول تضميد ذاكرة أبنائها، وامرأة تبحث عن فرصة حياة في مدينة أنهكها الركام”. قالت اسماء
بذا السياق قال علاء سكافي حقوقي في مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان – غزة إن واقع الأسرى والأسيرات الفلسطينيين/ات داخل سجون ومعسكرات الاحتلال الإسرائيلي يشهد، منذ أحداث السابع من أكتوبر، تدهورًا غير مسبوق وخطيرًا، لاسيما الأسرى/ات من قطاع غزة
انتقام ممنهج
ويؤكد على أن هذه المرحلة شكّلت نقطة تحوّل حادة في سياسات الاحتلال تجاه الأسرى والأسيرات على حد سواء واصفا ما يتعرض له الأسرى والأسيرات من قبل إدارة السجون الإسرائيلية” سياسة انتقام ممنهجة” ويتابع أن ما يتعرض له المعتقلين والمعتقلات قائمًا على الوحشية والتنكيل والسادية، مشيرا إلى أنها ممارسات لا إنسانية تُنفّذ بشكل متواصل ومنظّم داخل مختلف السجون والمعسكرات، دون أي تمييز على أساس الجندر أو العمر أو المنطقة الجغرافية.
وأشار إلى أن مؤسسة الضمير، ومن خلال متابعتها اليومية وزياراتها القانونية، وثّقت تصاعدًا كبيرًا في عمليات القمع داخل السجون، التي تُنفّذ عبر وحدات قمع متخصصة وباستخدام الكلاب البوليسية، إلى جانب الاعتداءات الجسدية والنفسية المستمرة، موضحًا أن هذه الإجراءات تطال الرجال والنساء، وكذلك الأطفال المعتقلين، في انتهاك واضح لمبادئ الحماية الخاصة بالفئات الأكثر هشاشة.
وأشار السكافي الحقوقي إلى أن مؤسسة الضمير حصلت على إفادات وشهادات صادمة من أسرى وأسيرات محررين من سجون الاحتلال الإسرائيلية تؤكد ممارسة الاعتداءات الجنسية، بما فيها الاغتصاب، والتحرش الجنسي، والتهديد بالاعتداء الجنسي، بطريقة ممنهجة وكنمط سائد في عدد من السجون الإسرائيلية، معتبرًا أن هذه الممارسات تشكّل جرائم جسيمة وانتهاكًا صارخًا لكافة المواثيق الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان، لا سيما تلك المتعلقة بحماية النساء أثناء النزاعات.
وأكد أن سياسة الإهمال الطبي المتعمد باتت إحدى أبرز أدوات التعذيب داخل السجون.
وفيما يتعلق بالأرقام، قال إن عدد الأسرى الإداريين، بمن فيهم معتقلو قطاع غزة المصنّفون كـ”قاتلين غير شرعيين”، بلغ نحو 3544 أسير /ة مشيرًا إلى وجود قرابة 400 طفل أسير و53 أسيرة، فيما يصل مجمل عدد الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال إلى نحو 11,100.
وأشار إلى أن قوات الاحتلال نفّذت منذ السابع من أكتوبر اعتقال ما يقارب 6000 مواطن ومواطنة من قطاع غزة، مؤكدًا أن نحو 3100 منهم لا يزالون رهن الأسر حتى اليوم، في ظل غياب أي معلومات دقيقة حول أعداد النساء والأطفال من غزة، وأشار السكافي الحقوقي إلى أن مؤسسة الضمير وثّقت استشهاد ما يقارب 78 أسير وأسيرة داخل السجون، من بينهم 46 أسير وأسيرة من قطاع غزة، مؤكدًا أن الإفادات وطلبات فتح التحقيق التي قُدّمت تثبت أن الأسباب الرئيسية لهذه الوفيات تعود إلى التعذيب، والضرب المبرح، والتنكيل المستمر، إضافة إلى الإهمال الطبي وترك الأسرى /ات المصابين بالأمراض يموتون دون تقديم العلاج المناسب.






