من الكفن إلى الحياة.. الطفل محمد نجا وحده من مجزرة

من الكفن إلى الحياة.. الطفل محمد نجا وحده من مجزرة

جباليا- هيا بشبش :

بينما يحيط قناصة الاحتلال الإسرائيلي بالمستشفى من كل الجوانب، كان شابٌ يقترب من أكفان الشهداء، لكنه فوجئ بصوتِ أنينٍ خافتٍ بين الأكفان، فتح الكفن وإذا بوجه طفلٍ ما زال يتنفّس.

ليس هذا مشهد من فيلم خيالي، بل هكذا تم العثور على الطفل محمد وسام قدّورة (10 أعوام) الناجي الوحيد من مجزرة عائلته، ودون مرافقة أحد تم نقله من المستشفى الأندونيسي شمال قطاع غزة، إلى مستشفى ناصر جنوب القطاع، لتعثر عليه عمته لاحقًا.

في تفاصيل الحكاية، فقد شن الاحتلال الإسرائيلي حربًا على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023كن وبدأ باستهداف المنازل السكنية على رؤوس ساكنيها، تمامًا مثلما حدث مع عائلة قدورة.

يروي محمد ما حدث: “كانت أمّي وعماتي يعدّون طعام العَشاء، وقفت بجانب أبي لأصلي المغرب في منزلنا بمدينة جباليا شمال قطاع غزة، بعدها استيقظت لأجد نفسي في مستشفى دون عائلتي، والضمادات تغطّي رأسي وقدمي ورقبتي”.

كان هذا المشهد هو آخر ما وقعت عليه عنا الطفل محمد أحد الناجين من مجزرة عائلة قدّورة بمدينة جباليا شمال قطاع غزة، والتي راح ضحيتها (63) شخصًا من العائلة، ست عائلات بالكامل مُسحت من السجل المدني، من بينها والدا محمد وإخوته الثلاثة، حيث أصيب محمد وتعرض للإغماء.

يبكي محمد وهو يقول: “أمي الحنونة، أبي قدوتي، وإخوتي الثلاثة كنت ألعب معهم، أتمنى رؤيتهم، كنا نريد النزوح إلى جنوب قطاع غزة بسبب التهديدات الإسرائيلية والقصف المستمر على جباليا، نزحنا إلى الحاجز مشيًا على الأقدام يوم 18 نوفمبر 2023م”.

صمت كأنه يستذكر ما حدث، وجّه نظرهُ إلى خارج الحاصل (المخزن) الذي يقطنه حاليًا مع عمته وأسرتها، ثم تابع: “أغلق جيش الاحتلال الحاجز، لا أتذكر كم كان الوقت حينها، ولكن أخبروني أن الحاجز يُغلق الساعة الرابعة، استأجر عمي باصًا وعدنا جميعًا إلى جباليا، في اليوم التالي ترددوا هل يعودوا للحاجز أم لا، اتفقوا على يوم 20 نوفمبر، لكنهم رحلوا قبل النزوح”.

تولّت عمة محمد ميرفت قدورة (50 عامًا) إكمال الحديث: “أخبرني ابني الذي يدرس في ألمانيا أن أحد الجيران صوّر له محمد ضمن الجرحى الذين تم نقلهم من المستشفى الأندونيسي في جباليا إلى مستشفى ناصر في خانيونس جنوب قطاع غزة، هرعت حينها إلى هناك ولم أكن أعلم أن أحد قد نجا”.

علمت العمّة من صديق ابنها أن محمد كان مكفّنًا في عداد الشهداء، وحين حاصر الاحتلال الإسرائيلي المستشفى يوم 19 نوفمبر 2023م، لجأ صديق ابنها للاختباء بين الشهداء، وحينها اكتشف وجود طفل على قيد الحياة.

ضمّت محمد إلى حضنها وأكملت :”يفصل منزلي عن منزل والدي شارع واحد، أتذكر الصوت المزلزل يومها، صُعقنا جميعًا، ابني الصغير كان يصرخ (دار سيدي دار سيدي)، لم أصدق، هرعت حافية القدمين ولكن الدخان لم يسمح لي برؤية شيء، استشهد والدي ووالدتي وإخوتي الخمسة وأسرهم جميعًا، وأخواتي الأربعة وأسرهن، لم أتوقع نجاة أحد، لذلك كان خبر نجاة محمد بعد أربعة أيام كالثلج على قلبي”.

ويخالف ما تعرضت له عائلة قدورة بنود اتفاقية جنيف الرابعة التي حظرت استهداف المدنيين بالقتل أو التشويه أو التعذيب في مادتها (3)، ونصت في مادتها (146) على ضرورة أن تتخذ الدول إجراءات جزائية عقابية لمن يقترفون مخلفات جسمية.

عودة إلى العمة ميرفت، التي أخبرتنا عن الأيام القاسية التي مرت بها أثناء نزوحها في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وكيف مرّت أيام علاج محمد: “عندما زرته في مستشفى ناصر أول مرة سألني عن أسرته، أخبرته أنهم ما زالوا في الشمال، لم أخبره باستشهادهم، فوضعه الصحي لا يسمح”.

ندبة واضحة في منتصف رأس محمد، أزالت العمة الشعر الذي يخفيها، والذي تبقيه طويلًا، تقول: “يسألني الناس عن سبب طول شعره من المنتصف، وأنا أجيب أنه هكذا أجمل، لم يكمل محمد علاجه في مستشفى ناصر، بسبب اقتحام جيش الاحتلال للمستشفى بعد 25 يومًا من بدئه، لذلك أكملت علاجه في دير البلح، من خلال الوفود الأجنبية القادمة من الخارج، وبعد ذلك أجبته عن سؤاله المتكرر بشأن أسرته، وأخبرته باستشهادهم”.

يوم 25 يناير 2025م، عاد محمد برفقة عمته وأسرتها إلى جباليا، وحين وصل شارع القدس تحديدًا عند ركام منزله، قال: “حينها افتقدتهم، حضنت عمتي وقلت لها أريد عائلتي أريدهم جميعًا، وبعد وصولنا ذهبت معها إلى المقبرة حيث دفنوا جميعًا في ذلك اليوم، الحمد لله أن لديهم قبور، وبأنهم دفنوا مباشرة بعد استشهادهم، أخبروني أن باستطاعتي زيارتهم والتحدث معهم والدعاء لهم”.

فتح محمد هاتف عمته وعرض صورًا له قبل الحرب معقّبًا: “هكذا كانت حياتي هادئة، أذهب للمدرسة مع إخوتي وألعب، عمتي تهتم بحاجياتي ومدرستي وحتى هوايتي في لعب كرة القدم، أصبحت أتشارك اللعب مع أبناء خالاتي، أتمنى أن أصبح حين أكبر طبيب أسنان كما أخبرت والدي”.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى