الولادة بأدوات بدائية … للقهر صوت وصدى

الولادة بأدوات بدائية … للقهر صوت وصدى

 

غزة- نغم كراجة:

“وين الأمان؟ ما ضل أمان حتى البيوت صارت مقابر”، بصوتٍ خافتٍ وحشرجة، بدأت شادية السكسك (37 عامًا) تسرد وجعها وهي جالسة في زاوية غرفةٍ ضيقةٍ معتمة، وبيدين مرتعشين تحمل رضيعتها ياسمين التي أكملت تسعة أشهر، قائلة: “صوتي صار تقيل عليا، شو أحكي وكيف أشرح؟ اللي صار معي أكبر من الكلام”.

تقلّب السيدة على هاتفها النقّال صورًا لزوجها علاء النمر (48 عامًا) وابنها آدم (13 عامًا) وبناتها صفاء (14 عامًا) ونور (12 عامًا)، وتسترجع كم صرخت بأسمائهم وهي تلد طفلتها ياسمين تحت القصف بأدواتٍ بدائية.

كانت شادية (أم لستة أبناء وتحمل السابع جنينًا) تسكن حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، وحين شنّ الاحتلال الإسرائيلي حربه على قطاع غزة، يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، وأجبر الفلسطينيين على النزوح إلى الجنوب يوم 13 أكتوبر 2023م، ظلّت في بيتها، لكنها لم تعرف أن تلك الليلة من نوفمبر/تشرين الثاني 2023م، ستكون بداية طريقٍ لا نهاية له!

“قصفوا بيت جنبنا، حسيت قلبي وقع، أصيبت ابنتاي بشظايا، وتعرض ابني لإصابةٍ خطيرةٍ في رجله، استدعت نقله للمستشفى وتركيب بلاتين في ساقه”، تقول شادية ثم تضيف بانفعال: “حتى الإسعاف ما وصل بسرعة كإن أرواحنا رخيصة”.

لم تجد شادية وقتًا للحزن، فنزحت قسرًا إلى مدرسة الموهوبين في سوق الشيخ رضوان، ظنًا أن المدارس بمنأى عن صواريخ الاحتلال، “يا دوب لحقنا نرتاح، نزل صاروخ على ساحة المدرسة.. ماتوا شباب وأطفال قدام عيني، عيونهم كانت مفتوحة، صرنا أنا وأولادي قلبنا يدق”، تقول شادية.

“كل ليلة أفظع من اللي قبلها”، تقول شادية التي اضطرت وهي تحمل جنينًا في أحشائها إلى النزوح تحت القصف إلى مركز إيواءٍ آخر، وسرعان ما أجبرهم الاحتلال على إخلائه، فنزحت إلى غرب غزة، بينما تعرّض منزلها للقصف دون تحذيرٍ مسبق، مثلما تم قصف المدرسة أيضًا.

ويشكّل ما تعرّضت له شادية وعائلتها خرقًا لاتفاقية جنيف الرابعة، الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي تنص في مادتها (33) على حماية المدنيين أثناء النزاع المسلح، ومنع أي أعمال عقابٍ جماعيٍ أو ترحيلٍ قسري، كما تحظر المادة (35) تدمير الممتلكات المدنية.

في منتصف شهر يناير/كانون الثاني 2024م، وبعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من حي الشيخ رضوان، قرر زوج شادية العودة لبيتهم المتضرر لإحضار ملابس شتوية، واصطحب معه أبناءه الثلاثة، تروي شادية وهي تضغط بيدها على صدرها: “قلت له: لا تروح، الدنيا مش أمان.. بس أصرّ” لم تمضِ دقائق حتى وصلها الخبر “غارة واحدة.. راحوا زوجي وأبنائي، ابني آدم وابنتاي صفاء ونور.. لما وصلت، شفت دمهم بالأرض.. ما قدرت أصرخ حتى”، تقول شادية.

بينما طائرات الاحتلال تقصف الأحياء السكنية، كانت شادية تصرخ من آلام المخاض داخل مركز الإيواء حيث تقيم مع من تبقّى من أطفالها (رهف، شام، وعارف)، لا مستشفيات، ولا إسعاف، نفدت كل المعدّات، “صرَخت ساعدوني شكلي بولد”، تقول شادية وهي تمسح دموعها: “ما كان عندنا لا أدوات ولا قطن ولا حتى شراشف، نظيفة، ولدت تحت القصف بأدواتٍ بدائية”.

تجمّعت النسوة حول شادية، وحاولن توليدها بأدواتٍ بسيطة، إحدى النازحات استعانت بمقص غير معقم لقطع الحبل السري، وأخرى دفّأت المياه على الحطب لتنظيف الطفلة، تصف شادية المشهد: “كنت بموت من الخوف، ولدت وسط الانفجارات وأصوات الطائرات، حتى الطفل بيجي الدنيا وكأنه داخل معركة”.

لم تكن البيئة حولها مهيأة لاستقبال مولودٍ جديد، “الغرفة كانت مليانة غبار، والأرض ترابية.. حتى نفسنا كان ملوث”، تقول بحسرة وهي تضع يدها على طفلتها التي تنام بسلامٍ رغم كل ما مرّ بها منذ اللحظة الأولى في حياتها، لم تنتهِ المعاناة عند الولادة، فشادية لم تستطع إرضاع طفلتها بسبب سوء التغذية وانعدام الفيتامينات، والحزن الذي تعيشه على زوجها وأبنائها الثلاثة، واضطرت لإذابة السكر في الماء لتطعمها، في محاولةٍ لإبقائها على قيد الحياة.

ويعدّ ما تعرضت له شادية انتهاكًا للمادة (16) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على حماية النساء أثناء النزاعات المسلحة، خاصة الحوامل والمرضعات، وضمان حصولهن على الرعاية الصحية، وتنتهك المادة (55) التي تُلزم القوة المحتلة بضمان توافر المواد الطبية والغذائية للسكان المدنيين.

وسط هذا المشهد القاسي، لا تنتهي مسؤوليات شادية كأم، يوميًا تترك طفلتها مع ابنتها رهف (11 عامًا)، لتعمل في خبز الطابون على أمل توفير قوت يومها، “النار تلسع وجهي وأنا بخبز، دخان الطابون يخنقني.. بس شو أعمل؟ الطابون.. نار تُطفئ الجوع”، تقول وهي ترفع يديها المحترقتين من كثرة العمل، فمقابل هذا العمل تحصل على أجرٍ زهيدٍ بالكاد يكفي لشراء الخبز.

لا يخلو عمل شادية من المخاطر، فجمع الحطب لإشعال الطابون يتم في مناطق خطرة، لكنها تجبر على ذلك كي لا تموت جوعًا، بينما تقوم طفلتها رهف بدور الأم البديلة عند انشغال والدتها بتأمين قوتهم أو جلب المساعدات، تقول: “طفلتي تحمل بيتًا، أترك رهف مع إخوتها وقلبي معلّق بهم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى