وليد ونور … عائلةٌ حطّمها صاروخ
وليد ونور … عائلةٌ حطّمها صاروخ
دير البلح-دعاء برهوم:
“لما كوّنت عيلة، حرمني منها الاحتلال”.
بغصةٍ وحرقة، نطق الشاب وليد نطط (27 عامًا) هذه الكلمات، وانخرط في بكاءٍ عميق، ثم دخل خيمته الصغيرة في مخيم للنازحين بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، مشيرًا إلى زوجته الراقدةِ على فراشِها مضيفًا: “حتى زوجتي أصابها الشلل وفقدت عائلتها”.
وليد نطط، شابٌ فلسطيني، كان يعيشُ برفقةِ زوجته نور (24 عامًا)، بمنطقةِ السلاطين غرب مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، عندما اندلعت الحربُ الإسرائيليةُ على القطاع يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، وبعدما أجبر الاحتلال سكّان شمال القطاع على النزوحِ جنوبًا، ظلّ وليد وعائلته شمالًا.
انتقل وليد من بيتِه إلى منزلِ عائلةِ زوجته بمنطقة مشروع بيت لاهيا ثالث أيام الحرب، بعد أن اشتدّ القصف على منطقةِ سكنِه، علّه يكون أكثر أمانًا، يكمل: “يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023م، فوجئت بقصفِ بيتِهم بصاروخين، استشهد 8 من عائلتها، ونجت هي وشقيقتها حلا (16 عامًا)، وأمها إيمان (42 عامًا)، لأفقد عائلتي للمرة الثانية”!
عاش وليد حياته يتيمًا بعد استشهاد أبيه حين كان طفلًا، وبقي في كنف جدّتِه التي رعته حتى توفّت، وظلّ وحيدًا، إلى أن حقق حلمه بتأسيسِ أسرةٍ حين تزوّج.
بحزنٍ يروي: “تزوّجتُ نور قبل ثلاثِ سنوات، أصبحت هي كل عائلتي التي أرتكزُ عليها في حياتي، لكن الاحتلال حرمني من العائلة مجددًا، حين قُصف بيتهم فوق رؤوسهم”.
يتابع: “خلال انتشال شهداء العائلة، عاودت طائرات الاحتلال قصف البيت، ليسقط عددٌ من عناصر الدفاع المدني شهداء، انسحبوا وتركوا جسدي تحت الأنقاض لصعوبة إنقاذي، ثلاثةُ أيامٍ حاولوا خلالها إدخال الماء والتمر لي من فتحات الأنقاض، لم أستطع تحريك قدمي لوجود عمودٍ من الاسمنت (باطون) فوقها”.
يوم 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2033م، نجح عناصر الدفاع المدني في إنقاذ وليد، ونقله بسيارةِ إسعاف إلى مستشفى كمال عدوان الذي كان ما زال يعمل في الشمال، وبعد ساعاتٍ حضرت حافلةً تابعةً للصليب الأحمر لنقله وزوجته إلى مجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس جنوب القطاع.
يكمل: “هناك أُجريت عدّة عمليات لنا، تم بتر قدمي الأيسر من تحت الركبة، وبقيت نور مصابة بالشل”.
إلى جوار وليد، تجلس زوجته الشابة نور، والتي باتت ملازِمةً للكرسي المتحرّك، فهي أصيبت بكسرٍ في عمودها الفِقري، أدى إلى ثقبٍ في النخاع الشوكي، تسبب بشلل نصفي لها، تصف حالتها: “أصعب أيام حياتي حين فقدت أبي وإخوتي وأعمامي بعد استهداف منزلنا مرتين”.
بحشرجةٍ تقول: “كنت أحضّر الإفطار، فجأة لفّ بنا البيت، ثم استيقظتُ من غيبوبة، وجدتُ أخواتي تحت قدميّ وفوقنا أنقاض، ناديت كي يخرجونا، (حكولي خواتي خليكي لما ييجي الإسعاف)، خرجت أخواتي من فتحةٍ، وسمعتُ بعدها صوت انفجار آخر، كان الاستهداف الثاني للبيت، واستشهدت أخواتي”.
تمسحُ دموعها وتكمل: “سطح الدار فوقي، وإيدي فوقها جرّة غاز، حاولت أزحف ما قدرت، ناديت بصوت عالي ما حد ردّ عليا، أمسكتُ بيدي حديدة وبدأت بالتخبيط على السقف، سمعني جارنا وانتبه وحاول مساعدتي حتى وصل الدفاع المدني وأخرجوني بصعوبة”.
ظل وليد ونور في مستشفى كمال عدوان لأربعةِ أيامٍ دون علاج، حتى انتقلوا إلى مستشفى ناصر عبر الصليب الأحمر، برفقة (50) آخرين، ولما وصلوا بدأت معاناة أخرى لكثرة الإصابات التي وصلت، فلم يجدوا مكانًا لهما، ثم أجريت العمليات اللازمة.
يكمل وليد: “بقينا في المستشفى فترة لمتابعة حالتنا حتى هدد الاحتلال باقتحامها في فبراير/ شباط 2024م، فنزحوا لدى أحد أقاربهم في رفح، وبدأت رحلة معاناة جديدة لعدم توفر أطباء ولا علاج”.
وبعد ثلاثة شهور، نزحوا مجددًا عندما اجتاح الاحتلال مدينة رفح يوم 7 مايو/أيار2024م، إلى خيمة في دير البلح، تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما فاقم الوضع الصحي لهما.
ويخالف ما تعرضت له عائلة وليد بنود اتفاقية جنيف الرابعة، الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي تحظر في مادتها (3) الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للأشخاص المحميين، وخاصة القتل بجميع أشكاله والتشويه، وتكفل المادتان (16) و(17) الحماية الخاصة للجرحى والمرضى والعجزة والحوامل، كما ينص قرار مجلس الأمن الدولي (1325) على حماية خاصة للنساء والفتيات وقت النزاع المسلّح.
كان وليد قبل الحرب يعمل سبّاكًا، لكنه الآن بات ملازمًا للخيمة لا يستطيع تأمين متطلبات حياته اليومية، وتعمل والدة زوجته على توفير المياه والطعام لهما، وهي من تصطف في طوابير المياه والتكيّات لجلب ما يقوّي أجسادهم.
يكمل: “أنا زوجتي نعيش على المسكنات رغم ارتفاع أسعارها، وأحيانًا لا نجدها بسبب شحّ الأدوية”.
بحزنٍ تختم نور: “نحتاجُ السفر من أجل مواصلة علاجنا خارج قطاع غزة”.